جهاد المنسي

نعم.. بوصلة لا تشير للقدس مشبوهة

تم نشره في الثلاثاء 12 تموز / يوليو 2016. 11:05 مـساءً

من يضع القضية الفلسطينية خلف ظهره وهو يشاهد ما يجري في المنطقة وحولنا من قتل وذبح وتدمير، وتقطيع أوصال لدول، وبث بذور طائفية وشوفينية، وجهوية وأحيانا إقليمية، بالقطع يكون بعيدا عن قراءة المشهد بكل أبعاده، ولا يريد رؤية كامل استدارة المشهد، ويبحث عن مشاهد مجتزأة هنا وهناك.
المستفيد الأول مما يجري في المنطقة بداية ونهاية الكيان الصهيوني الغاصب، والذي استفاد قبل ذلك من حرب العراق الأولى والثانية، ومن كل ما يجري في المنطقة، فيما تذهب دول المنطقة -بخلاف الكيان الغاصب- للتقسيم والفرقة وضرب مصالح بعضها بعضا، وها هو الآن يستفيد من ضياع ليبيا، وتقسيم السودان، وتقوقع مصر، وأزمة العراق، وتخريب سورية، وتفتيت اليمن، وبحث تونس عن ذاتها، ومحاولات تفتيت الجزائر، وتشتيت لبنان، فيتمدد باتجاهات مختلفة، فمد ذراعه إلى أفريقيا التي طالما كانت مساندة قوية للقضية الفلسطينية، كما مد ذراعه إلى شمال شرق آسيا، فيما يبحث العرب عن عدو وهمي يناصبونه العداء.
في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي انقسم العرب إلى فريقين، فريق أطلق على نفسه دول الممانعة، وفريق آخر أطلق على نفسه دول الاعتدال، والفريقان كلاهما أشبعا بعضهما نقدا وتجريحا وتخوينا حتى خارت قواهما، ومن ثم انتقل الصراع في التسعينيات وبدايات القرن الحالي إلى صراع عربي–عربي بشكل آخر بين فريقين آخرين، فريق مؤيد للعراق وفريق آخر مخالف له في توجهاته، وفي كل الأحوال كان الكيان الصهيوني يستفيد مما يجري، ومع إطلالة العقد الحالي انطلق ما يعرف مجازا بالربيع العربي، وفيه انشطر العرب عموديا وأفقيا، فضاعت دول وباتت فاشلة، وأخرى أصبحت على مشارف الفشل، وثالثة دخلت في حروب طاحنة حتى اضمحلت قواها، فيما بقيت دول أخرى تراقب ما يجري، وأحيانا تغذي الانقسام وأحيانا تدعم الفتنة، وفي مرات ثالثة يكون لها ضلع في دعم تفتيت الدول وتقسيمها.
وبطبيعة الحال، تبقى إسرائيل مستفيدة مما يجري، فتصبح القضية الفلسطينية التي كانت في فترات سابقة قضية العرب المركزية كما كان يقال في الخطابات العربية الإنشائية، تحتل أسفل سلم اهتمامات العرب، وليس هذا فقط بل أصبحت مقاومة المحتل عند بعض العرب إرهابا! والمقاوم بحسب تعبيرهم، قاتل وسفاح! وباتت إسرائيل اقرب للبعض من دول عربية أخرى، يتم الحديث معها في السر والعلن، ويجري التنسيق معها في قضايا محورية!
عمليا، انقلبت المعادلة عند البعض، وتم تبديل الاهتمامات والمصالح والرؤى وانحرفت البوصلة، فأصبحت إسرائيل تقتل من دون رادع، وتحرق الأطفال من دون وجل، حتى أن البيانات الاستنكارية التي كنا نراها ونسمع عنها سابقا غابت عن الشاشة ولم نعد نسمع بها أو نقرأها.
في السابق كنا نقول إن العالم المتحضر في خدمة إسرائيل، واليوم وبعد أن بات جزء من هذا العالم المتحضر يرى ولو بعين واحدة بعضا من جرائم إسرائيل، ويقيم مقاطعة لبضائعها وينتقدها، كما حدث في أوروبا وبعض الدول الاسكندنافية وأميركا الجنوبية، بات بعض العرب أكثر قربا من إسرائيل، فحضرت النزعات الاثنية والطائفية، وغابت قضية كانوا يعتبرونها مركزية ولو حتى بالكلام.
بوضوح هي صيرورة واضحة، ومن لا يرى الشمس في رابعة النهار عليه مراجعة دكتور عيون جيد، وعليه إعادة قراءة المشهد من جديد، والخروج باستنتاجات واضحة، وأن لا يذهب بالاتجاه الذي يريد البعض أن يقودنا إليه، بحيث يصبح وجود الكيان أمرا عاديا، وليس هذا فحسب بل يريدون أن يكون جزءا من شرق أوسطنا الجديد، وهؤلاء يسعون لصناعة حروب دنكيشوتية لا تسمن ولا تغني من جوع، وقودها تأجيج صراعات لا منتهية في الدول العربية، بحيث تصبح البوصلة تشير إلى مناطق أخرى غير إسرائيل، فأفيقوا.

التعليق