عيسى الشعيبي

معضلة سوء الفهم

تم نشره في الجمعة 15 تموز / يوليو 2016. 12:06 صباحاً

لعل معظم مصادر الشكوى بين الباعة والمشترين، بين الأبناء والآباء والأمهات، بين المديرين والموظفين، والحكومات والمواطنين، والكتّاب والقراء، وغيرهم من الأفراد والجماعات، ناجمة بالدرجة الأولى عن حالة سوء الفهم، أو ما يمكن أن نطلق عليه التباس القراءات؛ خطل تقدير الموقف؛ الفهم المتسرع؛ جهل المقاصد؛ غموض النوايا، وكل ما يؤدي للوقوع في حبائل الاستنتاجات الخاطئة والقرارات المتهورة.
وقد تكون خسارة الموقف، والفشل في تحقيق الربح، والهزيمة في الحرب، ناجمة هي الأخرى عن سوء فهم نوايا الجانب الآخر، وغياب الحقائق الكاملة، والانجرار إلى ردود أفعال طائشة، وغير ذلك من الوقائع والشواهد والحكايات التي تختزنها الذاكرة الشخصية والخبرات التاريخية والتجارب الإنسانية، الدالة على استفحال هذه المعضلة في يومياتنا.
إذا وضعنا قصص سوء الفهم الصغيرة جانباً، وترفعنا قليلاً عن آلام المرارات الذاتية، وجراح الخسارات الشخصية، التي تفيض عن إطار هذه المعالجة محدودة المساحة، ووجهنا الأبصار إلى القضايا الكبيرة، والمواضيع الأكثر عمومية، فإن لنا أن نتساءل سؤال العارف؛ لماذا تفشل الدول؟ ولماذا تنشب الصراعات والحروب؟ ما الذي يفضي إلى كل هذا التطرف، وينتج هذه الكراهية، ويوصل إلى مثل هذه النتائج الكارثية؟
قد يقول قائل إنها المؤامرة الكونية اللعينة، وإن هذه المخرجات هي حصيلة تلك المدخلات الاستعمارية القديمة، وإن كل إناء بما فيه ينضح، سواء كان النضح في صورة تنم عن الجهل والتخلف، أو كان ترجمة لحسن النية المفرطة. إلا أن ذلك لا يحجب حقيقة أن الموروث الثقافي، فضلا عن سوء فهم المتغيرات المتسارعة، وضحالة الاستجابة الواعية للتحديات المحيطة، قد تضافرت معاً لخلق هذه الاختلالات الفاضحة.
وعليه، يمكن اعتبار آفة الجهل والتخلف، الجذر الضارب لحالات سوء فهم المقاصد الحقيقية، وما تجبيه من عتاب ولوم وتنازع، أو قل النتيجة المنطقية لخطأ المقاربات السياسية المتعجلة، والمحصلة غير النهائية لحسابات قد تكون تحوطية وربما ثأرية، وتقديرات ناقصة لمعطيات لم تكتمل تفاعلاتها الكلية، الأمر الذي أدى إلى ما نحن فيه من فوضى تغذي نفسها بنفسها، وأنتج ما تعيشه هذه المنطقة من كوارث تجل عن الوصف.
إن لم يكن ذلك كله، فما الذي أفضى ليس إلى إخفاق كل الجهود المبذولة لإنهاء أي من الحروب الداخلية في العديد من البلدان العربية، وإنما إلى الفشل في تبريد حدة النار المتأججة فقط؟ وإذا لم يكن سوء فهم الدوافع والأسباب، وسوء تقدير المواقف وردود الأفعال، وسوء النوايا الكامنة أيضاً، فما الذي يقف وراء احتدام النزاعات البينية، وتصاعد الاتهامات المتبادلة، واشتداد وتيرة المعارك الناشبة، وفوق ذلك كله استحكام روح العداء والانتقام والكراهية؟
بكلام آخر، تتجلى حالات سوء الفهم المنتشرة في المجال العام في كل مطرح وعلى كل صعيد، بما في ذلك العلاقات بين الأصدقاء والأزواج والأشقاء أحياناً، ليس بفعل تضارب المصالح بالضرورة الموضوعية، أو اختلاف النوايا والمقاصد النهائية، وإنما جراء تشوّش الرؤية للوهلة الأولى، وضبابية الصورة الانطباعية في الغالب، فضلاً عن القصور في تقدير موقف الآخر، واستبعاد حسن الظن، وعدم الأخذ بمبدأ الحق الطبيعي في الاختلاف، الذي كما يقال -زعماً- إنه لا يفسد للود قضية.
مناسبة هذا الحديث لا علاقة لها بالفلسفة الفكرية، أو التأصيل النظري لظاهر سوء الفهم المستفحلة لدينا، خصوصاً في هذه الآونة الطافحة بالارتياب وعدم الثقة المتبادلة بين عامة الناس وفي مختلف الأوساط، وإنما هي مجرد مداخلة متواضعة، أو قل شكوى على الملأ صادرة عن معشر الكتاب، ضد قراء متربصين بالجماعة الصحفية، يؤولون الكلم ويخرجونه عن السياق، ويسلخون جلد الكاتب عن عظمه بسيل من الاتهامات الجزافية.
وأحسب أنني أعبر عن وجدان أغلب الكتاب، ممن يتلقون سهام النقد اللاذع، ويشكون من سوء الفهم البالغ، وردود الأفعال الجائرة، حيال جل ما يكتبون أو يطرحون من وجهات نظر، تقبل الأخذ بها أو الرد عليها سواء بسواء، إلا أنهم يقعون في أكثر الأحيان ضحايا لحالات عدم الفهم المتعمد، حتى لا نقول التعسف في القراءات، وتقويل المرء ما لم يقله، ومن ثمة تحميله أوزاراً لا تطاق.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"صراع المعايير" (يوسف صافي)

    الجمعة 15 تموز / يوليو 2016.
    جل اسباب ماطرحت استاذ عيسي من إختلافات هو صراع المعايير نتيجة للوافد دون استئذان اوتمحيص والأنكى المملى من قوانين ومنظمات تحت مسميات مزركشة غير متوائمه على ماعليه مجتمعنا من ثقافة وقيم وعقيدة في ظل غياب ناظم وفيصل مابين هذا وذاك (التشريع منزوع الهوى المصلحي والمادي) ليحتكم اليه طرفي المعادلة مما يولد سياسة راس روس "وكل واحد على راسه ريشه "وكل متمسك برايه ؟؟؟ وهكذا فطر الله عزّ وجل البشرية منذ نزول آدم وحواء بالإختلاف حتى يتم تمحيص الصواب من الخطأ وفق تشريعه العادل منزوع الهوى المصلحي والمادي ؟؟؟ ولكل رأي ورؤية ؟ "ولايغير الله مابقوم حتى يغيروا مابانفسهم"