جميل النمري

متاهة القوائم

تم نشره في الخميس 14 تموز / يوليو 2016. 11:14 مـساءً

الحيرة سيدة الموقف في مختلف دوائر المملكة الانتخابية. وبحدود علمي، في معظم الدوائر لم ينجز تشكيل القوائم. والأسهل هو في الدوائر التي تتضمن "الكوتات"؛ إذ يمكن الإسراع في تشكيل نواة قائمة من مسيحي وشركسي وامرأة ومرشح مسلم قوي، حيث لا تنافس بين هؤلاء، ثم سيكون أمام القائمة مأزق استكمالها بالعدد المطلوب من المرشحين المسلمين. أما في الدوائر الأخرى، فالمسألة عويصة والخيارات محيرة. لكن الوقت يمر، ونقترب من ضرورة الحسم. وقد يستمر الدوران في داخل المتاهة حتى الأسبوع الأخير قبل الترشيح، ثم تتشكل بعض القوائم كيفما اتفق.
هذا الوضع خلق تذمرا قويا من قانون الانتخاب. ولو أن أوساط القرار والزملاء النواب الكرام في المجلس السابع عشر استمعوا إلينا، لاختصرنا ثلاثة أرباع المشكلة من خلال "العتبة"، أو آلية نسبية أخرى، وهي معروفة ومعتمدة، خصوصا حين يكون عدد المقاعد محدودا، بحيث يمكن للقائمة الأكبر أن تحصل على أكثر من مقعد، وبذلك يمكن للمرشحين الأقوى أن يتحالفوا، لأن هناك فرصة لهم معا للحصول على أكثر من مقعد، وبنسبة عادلة من الأصوات.
لكن لا نحمّل القانون وحده المشكلة. فالقانون كاشف لواقع اجتماعي سياسي بائس. والقانون الذي يطالب به البعض (استناداً لنظام 1989)، الذي يعطي الناخب أصواتا حرة بعدد المقاعد، هو أنسب نظام لانتخابات فوضوية، مثل بازار يخادع فيه الجميع الجميع، حيث الناخب يعد الجميع، والمرشحون يعدون بعضهم ويعقدون صفقات يحاول كل واحد فيها أن يتشاطر بالحصول على أصوات الآخرين ومنع أصواته عنهم على قاعدة عشائرية بحتة (إلى جانب القوة المالية)، وتأتي النتائج بمفاجآت شتى ونتائج لا تمثل بصورة موثوقة توزيع الخريطة الاجتماعية.
النظام الانتخابي الجديد مصمم لمساعدة القوى السياسية وتحفيز اشتراك الناس في الأطر السياسية الموجودة أو تجميعها، أو المشاركة في إنشاء أطر سياسية جديدة. والقانون يتيح في الحقيقة تجميع الناس في عدد من القوائم لا يزيد عن عدد مقاعد الدائرة، ويبعد الهواة الكثر الذين لا فرصة لهم لكنهم يرونها مناسبة لطرح أسمائهم في السوق وتحقيق بعض الحضور من دون أن يكون لهم أي تاريخ سياسي أو باع في العمل العام. لكن واقع الحال أكثر بؤسا من أن يتمكن أي قانون من تحقيق هذا الهدف. ويجب أن تمر هذه التجربة لكي يستخلص الجميع الدروس، ونذهب لانتخابات تالية بطريقة أفضل، تقوم على قوائم متضامنة ذات خلفية سياسية وبرامجية. لكن طبعا، سيتوجب أيضا إجراء تعديلات على القانون في ضوء التجربة والسلبيات التي ستظهر في تطبيق الصيغة الحالية. وأكاد أرى من الآن ما هي التعديلات المطلوبة، لكن سأترك الأمر لمناسبة أخرى.
إنما الآن أريد أن أختم بالتعليق على همّ المرشحين في هذه اللحظات. المرشحون الأقوياء الذين لديهم فعلا قاعدة انتخابية واسعة، لا يستطيعون التحالف مع بعضهم، لأنه ليس متوقعا في معظم الدوائر حصول القائمة على أكثر من مقعد، وهم يجدون صعوبة في إيجاد شركاء أقل قوة، وقد يضطرون لملء الشواغر بمرشحين "كومبارس"، بما يضع قوائمهم في دائرة الخطر من حيث عدد الأصوات الكافية لحجز مقعد. والمرشحون متوسطو القوة أو غير المؤكدة نسبة أصواتهم، يجب أن يتحالفوا مع بعضهم، لكن سيكونون في حيرة شديدة بالنسبة لانتقاء الحلفاء - المنافسين. وفي نهاية المطاف، سيضطرون لتشكيل قوائمهم مما هو متوفر كيفما اتفق. وبالنتيجة، فإن القوائم (في أحيان كثيرة) لن تعكس أي تفاهم سياسي أو فكري أو برامجي، أو حتى تناغم شخصي؛ وهذا يقلل كثيرا من قيمة وجودها الذي تبرره فقط مصلحة تجميع أكبر عدد من الأصوات. لننتظر ونرَ!

التعليق