أشخاص يصنعون الفرح ويتجاوزون أحزانا تغلف حياتهم

تم نشره في السبت 16 تموز / يوليو 2016. 12:00 صباحاً
  • هنالك شخصيات بحاجة للوقوف معها لتجاوز حالتها النفسية- (ارشيفية)

منى أبو صبح

عمان- تتعالى أصوات الضحك في منزل عائلة أبو فيصل، فمن يرى أصحابه ويتعامل معهم يشعر بأنهم أسعد البشر، ولا أحد يعلم أن خلف تلك الجدران آلاما كبيرة لا يمكن للعقل تصورها، شابان جميلان مصابان بإعاقة ذهنية وجسدية.
لم تخف عائلة أبو فيصل أبناءها عن الأعين، وبذات الوقت لم يتنبه أحد من الجيران بأن هذه العائلة تحمل هما كبيرا وثقيلا، ومنهم الجار أبو كريم الذي يقول، “عرفت جاري أبو فيصل منذ ثلاث سنوات، أزوره ويزورني، لا تفارق البسمة وجهه، دائم الضحك والمزاح، علمت حديثا أن لديه ولدين يحتاجان لرعاية واهتمام دائمين”.
يبين أبو كريم أنه عندما علم بمصيبة جاره عن طريق الصدفة خجل من نفسه كثيرا، موضحا، “كنت كثير الشكوى في جلساتي مع جاري، وكان يصغي إلي ويخفف من همي، رغم أن هذه الهموم لا تعادل شيئا بسيطا من مصيبته، حقيقة أنا أعتز جدا بهذا الرجل وعائلته الطيبة”.
نواجه في الحياة أشخاصا يتمتعون بطاقة إيجابية وروح دعابة كبيرة، يظهرون بقمة السعادة والفرح لكنهم من الداخل يتألمون ألما كبيرا، ويحسدهم الآخرون أحيانا على تلك الضحكات التي تتعالى بين الأصوات مسببة لهم الفرح تمنحهم بعضا من السعادة، فعندما نقف أمام هذه الشخصية لا يمكننا سوى تقديرها والاقتداء بها.
في بيت آخر أيضا تظهر علامات السعادة والتفاؤل على وجه الأربعينية أم سمير التي لا تخلو جلساتها وأحاديثها من الضحك والمزاح.
أم سمير لديها ثلاثة أبناء، وجميعهم بالمرحلة الدراسية، لكن الزوج لم يحتمل متطلبات هذه الأسرة والتزاماتها فقرر الغياب والهجرة بعيدا لا يعلمون عنه شيئا منذ خمس سنوات.
تعمل أم سمير موظفة في إحدى الشركات الخاصة، إلى جانب عملها في بيع الإكسسوارات والملابس في المنزل، ورغم مشاق الحياة وأعبائها فوق رأسها لكنها دائمة الابتسامة.. بل تخفف من هموم ومشاكل الآخرين حولها.
الطالب الجامعي علي مصطفى يتمتع أيضا بروح المرح والدعابة بين زملائه، رغم نشأته في بيت لا ينعم بالاستقرار الأسري وفق صديقه المقرب محمد.
يقول الصديق محمد، “أعرف صديقي علي منذ الطفولة، وعاش بأجواء أسرية سيئة، والداه دائما الشجار، انتهى بهما المطاف للطلاق قبل عامين، وتزوج والده وتزوجت والدته، بينما هو وشقيقه الأصغر يعيشان في بيت جدتهما”.
يضيف محمد، “كنت وما زلت أقف مستعجبا عندما أراه يضحك ويمزح أمام زملائنا سواء في المدرسة أم في الجامعة، لا يحب الحزن، يبتعد عنه، لا يسيطر عليه، ورغم أنه أحيانا ينفجر أمامي بالبكاء عند الحديث عن أحد والديه”.
يلفت اختصاصي علم النفس التربوي د. موسى مطارنة إلى أن هذه الشخصية تعبر عما عكس داخلها، بالأصل هذه صفة ملازمة للإنسان بطبيعته بأكثر الأحوال السلوك الظاهر يعكس خلفه شيئا آخر تماما، هذه قاعدة (فكم بلبلا يشدو من شدة الألم)، من شدة الضغط النفسي ومن شدة القهر ومن شدة هول المشكلة داخله، وللتخفيف عن جهازه العصبي ونفسه يعكس الحالة بحالة من الضحك والمزاح والنكت، ويظهر أمام الآخرين وكأنه شخص سعيد جدا بحياته.
يصف الشخصية بقوله، “هي حالة إسقاط نفسي ناتج عن الضغط الشديد الذي تعرض له جهازه العصبي، حالة دفاعية للتخفيف عن هذا الضغط والخروج منه حتى لا يضارب بانهيار عصبي كامل”.
ويضيف، هذه الشخصية بداخلها أو بطبيعتها شخصية طيبة تحب الحياة، لكن قسوة القدر تضغط عليها كثيرا، فقد تعرضت لكثير من المواقف في الحياة، فقدت بها ثقتها بالآخرين حتى تقول أو تشرح أو تعبر عن مشكلتها ووصلت بالنهاية لنتيجة لا شيء يتغير وعليها مداوة نفسها بنفسها، لكن هذه الشخصية إن وجدت شخصا مقربا جدا تثق به قد تنفجر وتنهار بالبكاء والتعبير عن آلامها بشكل جلي.
ويبين أن هذه الشخصية بحاجة للوقوف معها لتجاوز حالتها النفسية حتى وإن ظهرت غير ذلك، بحاجة للتعبير عما بداخلها، فهم أشخاص بسيطون عاطفيون يعبرون عن آلامهم بالضحك والمزاح، متمنيا على كل من يعرف هذه الشخصية الوقوف بجانبها.
ويصف الخبير الاجتماعي د. حسين الخزاعي الأشخاص الذين يضحكون رغم الألم والمعاناة بالأشخاص الإيجابيين كونهم لديهم القدرة على التغلب على المشكلات التي تواجههم بروح إيجابية.
ويقول، “هي شخصية واقعية تدرس القضية وتواجهها بالحكمة ولا تشرك الآخرين بالهموم والمشاكل التي تواجهها، وهي شخصية متزنة متفائلة ولا تستسلم أو تهرب من مواجهة المشاكل، فحتى إن لم تستطع حل هذه المشاكل لا تؤثر على الآخرين، بعكس أشخاص آخرين لا يكفون عن التذمر والشكوى حتى وإن كانت مشكلاتهم بسيطة يمكن حلها”.

muna.abusubeh@alghad.jo

التعليق