نضال منصور

صناعة وتصدير الموت ... نيس أنموذجا

تم نشره في الأحد 17 تموز / يوليو 2016. 12:04 صباحاً

في دقيقة استطاع هذا المجرم أو الإرهابي أن يثير الرعب وأن يسفك الدماء في "نيس" وأن يوجّه أنظار العالم الى جريمته النكراء باحتفالات فرنسا بعيدها الوطني.
هذا المهووس قتل في دقائق 84 شخصا بينهم أطفال بطريقة بشعة ومرعبة، حوّل شاحنته إلى سلاح فتاك لا تقل بطشاً عن حزام ناسف أو عبوات متفجرة.
النتيجة المؤسفة أن من يريد الموت لا أحد يستطيع أن يمنعه من قتل الآخرين، ربما ننجح في إفشال حالة إرهابي هنا، أو مجنون ومهووس هناك، أو نقلل من عدد الضحايا، لكن أبداً لن يتوقف سيل الدم ما دام هؤلاء لا يأبهون للحياة، وإنما يبحثون عن الموت.
لن ندخل في سجال حول هوية الإرهاب، فهو لا يعرف دينا أو هوية أو قومية، وقد حدث ويحدث في كثير من الأمم والشعوب وعلى مر التاريخ، ولكن اللافت وما لا يمكن إنكاره أيضاً أن أكثر منفذي عمليات الإرهاب حتى ولو كانوا منحرفين ولديهم سوابق جرمية هم من العرب، وفي الغالب مسلمون.
علينا أن نملك الجرأة لنعترف بأننا أصبحنا نصدّر الموت للعالم، وبأن لدينا دعاة ومتطرفين لصناعة الموت!.
حين يصبح العرب والمسلمون مشتبها فيهم في مطارات العالم، عليك أن تتذكر جريمة "نيس"، فمن قام بها من أصل تونسي مقيم في فرنسا، ولن ينفعك كثيراً مجادلتك بقيم حقوق الإنسان، ففي كثير من الأحوال وحين تتفشى "فوبيا الإرهاب" تضع كثيراً من الحكومات المبادئ والقيم في سلة المهملات، ونكون نحن، الرافضين للإجرام والإرهاب، أول الضحايا.
تغيرت أنماط الإرهاب الآن، والعمليات الإرهابية في أكثر من مكان تدل أنها لم تعد عملاً منظماً احترافياً وخلايا تتلقى توجيهات، بل شاع الاستلهام الفكري من خلال الانترنت و"السوشال ميديا" ومواقع التنظيمات الإرهابية لصناعة ما يطلق عليه "الذئاب المنفردة"، فهؤلاء يستلهمون النموذج الفكري، ولا يهم أن يكونوا معروفين بالتطرف أو التدين، وربما يكون بعضهم مأزوماً اجتماعياً، أو يواجه أزمات مالية، او مدمن مخدرات، ويبحث عن الخلاص، ويعتقد أن هذا التوجه يطهّره من ذنوبه.
هذا التحول في صناعة الإرهاب وطرق الاستقطاب يزيد من صعوبة ملاحقتهم، أو اكتشافهم، أو توقع الطريقة التي سينفذون أو يضربون بها، وأيضاً يزيد من صعوبة الحكم؛ هل ما حدث مثلاً في "نيس" عملية إرهابية، أم عمل بائس لرجل عرف عنه العنف والسوابق الجرمية؟!.
نحتاج إلى جهد كبير لندرس الحالة الذهنية والنفسية لمن يقوم بهذه العمليات الإرهابية أو الإجرامية، كيف يستطيع أن يتغلب على مشاعره الإنسانية ليصبح وحشاً كاسراً لا يأبه لصرخات الأطفال الذين يقتلهم، ولا يتوقف عندما تدوس الشاحنة عظام الناس وتعلو صرخاتهم، أي إنسان هذا الذي يقبع في داخل عقله؟
الإرهاب لم يعد يختار أهدافاً استراتيجية أو اقتصادية أو سياسية أو أمنية مثلما فعل أسامة بن لادن في أحداث سبتمبر، بل صار يبحث عن خاصرة رخوة، وأماكن من السهل استهدافها، ولا يتوقع ان تكون مقصداً للإرهابيين والمجرمين، وهذا ما تجسد في استهداف شواطئ تونس، أو ملهى للمثليين في أميركا، ولذلك على الناس أن يلعبوا دوراً يقظاً ويصبحوا العيون التي تلاحق هؤلاء اليائسين.
في هذا السياق ما يزال هناك من يحذر من تهديدات إرهابية محتملة قد تواجه الأردن في قادم الأيام بعد أن أصبح العالم كله مهدداً، ويشيرون بأن موسم الانتخابات البرلمانية ربما يكون من الأهداف السهلة، فأي افتتاح لمقر انتخابي سيضم الآلاف من الناس، ولن تكون هناك إجراءات أمنية مشددة في واقع الحال، وهذا قد يغري التنظيمات الإرهابية او " الذئاب المنفردة" التي تعيش بيننا الى استهدافها، وهو ما نتمنى أن لا يحدث، وإنما ننبه ونذكّر حتى لا تغمض عيوننا.
أنماط الإرهاب تتغير، ودوافعه تتعقد، وصانعوه يتعددون، والضحايا لا يعرفون من أين سيأتي ولا كيف يتّقونه؟!.

التعليق