نزع فتيل سباق التسلح الآسيوي

تم نشره في الاثنين 18 تموز / يوليو 2016. 11:00 مـساءً
  • جندي صيني ونظيره الهندي يتبادلان التحية عند الحدود بين البلدين - (أرشيفية)

تيتينان بونجسوديراك*

بانكوك- سوف يقابَلُ الحكم ضد المطالبات الإقليمية الصينية في بحر  الصين الجنوبي من قبل محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي بالارتياح في عواصم المنطقة. لكن من غير المرجح أن يغير واحداً من أكثر التوجهات إثارة للقلق في آسيا: سباق التسلح الإقليمي المرعب.
طبقاً للمعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم، فإن آسيا تمثل الآن حوالي نصف الإنفاق العالمي على التسلح، وهو أكثر من ضعف إجمالي إنفاق دول الشرق الأوسط، وأكثر بأربعة أضعاف من إجمالي إنفاق أوروبا.
في الوقت الحالي، تفكر فيتنام، التي أعادت علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية سنة 1995 فحسب، بالسماح للبحرية الأميركية باستخدام قاعدتها البحرية كام ران، التي بناها واستخدمها سلاح الجو الأميركي خلال حرب فيتنام (واستخدمتها لاحقاً البحرية السوفياتية والروسية). كما اشترت فيتنام كذلك غواصات روسية الصنع. وكان إنفاقها على الأسلحة أكثر بثمانية أضعاف في الفترة من العام 2011 إلى 2015، مقارنة بالسنوات الخمس السابقة. وتريد تايلند كذلك شراء غواصات لبحريتها، على الرغم من أن لديها مياهاً ضحلة فقط في خليج تايلند. كما لا توجد لديها مطالبات إقليمية في بحر الصين الجنوبي.
وتقوم الفلبين، التي رفعت الدعوى ضد الصين في لاهاي، بتعزيز قواتها العسكرية أيضاً من خلال شراء طائرات مقاتلة من كوريا الجنوبية، والقيام باستثمارات جديدة في بحريتها بدعم من الولايات المتحدة الأميركية ومن اليابان أيضاً. وقامت الفلبين كذلك بإعادة تأهيل تحالفها الدفاعي مع الولايات المتحدة الأميركية، مما يعكس تحولاً كبيراً في الموقف الفلبيني بعد قرارها طرد البحرية الأميركية من قاعدتها في خليج سوبيك في العام 1991. وبالروح نفسها، قام الأسطول السابع الأميركي بتعزيز "الدوريات العملياتية لحرية الملاحة" في بحر الصين الجنوبي.
وأخيراً، تكتسب اليابان نفوذاً في المنطقة بسبب ابتعادها عن "دستورها السلمي" لمرحلة ما بعد الحرب. وحتى الآن، قامت حكومة رئيس الوزراء شينزو آبي بإعادة تفسير المادة 9 التي تنبذ العنف، من أجل السماح لليابان بالدفاع عن حلفائها. وقامت الحكومة كذلك بمراجعة قوانين الأمن للسماح بصادرات تقنية السلاح لشريكاتها في المنطقة من أجل تعزيز قدراتها الدفاعية.
تتعامل جميع تلك البلدان مع الصعود السريع للصين كأقوى تهديد للاستقرار الإقليمي. وقامت الصين ببناء سدود على منابع نهر ميكونج بعكس مجرى النهر من لحرمان دول المصب، مثل كمبوديا وفيتنام، من موارد مياه حيوية. وفي بحر الصين الجنوبي قامت الصين ببناء جزر صناعية وعسكرتها بمهابط جوية وتسهيلات دفاعية. كما قامت بعرض عضلاتها البحرية بمجموعة من حاملات الطائرات الحديثة، وهناك المزيد على الطريق.
في الفترة التي سبقت قرار محكمة التحكيم الدائمة، قامت الصين بحشد التأييد في الدول الإفريقية النائية التي يوجد لها استثمارات فيها، وبين الدول الأعضاء في اتحاد شعوب جنوب شرق آسيا التي يمكن التأثير عليها بسهولة أكبر، مثل بروناي وكمبوديا ولاوس. ويتمثل هدف الصين في منع دول الآسيان من الاتحاد ضدها، وتحجيم دور القانون الدولي في المنطقة التي تسعى إلى تحقيق الهيمنة الاستراتيجية فيها. ومما يدعو إلى المزيد من التشاؤم هو قرار الصين زيادة أنشطتها في بحر الصين الجنوبي على الرغم من إجراءات المحكمة، حيث تعهدت منذ فترة طويلة بتجاهل أي حكم يبطل مطالباتها.
إن سباق التسلح الآسيوي الآن هو الأكبر منذ الحرب الباردة. وهو يتسارع على خلفية دولية غير مواتية على نحو متزايد. فالولايات المتحدة الأميركية مشغولة بتنظيم الدولة الإسلامية وتهديدات إرهابية أخرى في الخارج. وهي مشغولة الآن بالحملة الرئاسية في الوطن. وتعيش أوروبا في حالة فوضى بعد التصويت البريطاني بالخروج من الإتحاد الأوروبي، الذي جاء بعد ثماني سنوات من النمو الضعيف والتقشف والأزمات المطولة.
لقد حان الوقت لأن تحتل آسيا دوراً قيادياً عالمياً. لكن من المؤسف أن التنافس الجيوسياسي المرير يقف في طريق ذلك بسبب غياب أي إطار مؤسساتي لمنع وتخفيف وتسوية النزاعات الإقليمية. وما لم يتم التوصل إلى تلك الترتيبات، فإن خطر الصراع سيزيد، مما سيهدد التحول الاقتصادي للمنطقة التي تمكنت في العقود الأخيرة من انتشال مليارات الآسويين من براثن الفقر.
لن يكون خلق إطار إقليمي أمني قابل للحياة سهلاً، نظراً لصعوبة إيجاد حلول لكثير من الخلافات الجيوسياسية في آسيا. وتشمل هذه الخلافات المواجهة بين الهند والباكستان حول كشمير، والمواجهة بين الكوريتين، والعلاقة المضطربة بين الصين وتايوان، ومطالبات الصين بإراض سيادية تابعة لليابان والهند، بالإضافة إلى الفلبين وفيتنام.
يتطلب حل هذه الصراعات على أقل تقدير بعض القواعد الأساسية للعبة، والتي يمكن تطويرها وتطبيقها فقط على أساس متعدد الأطراف وليس بالطريقة الأحادية التي تطالب بها الصين. وعلى سبيل المثال، تقوم مجموعة الآسيان بصياغة قواعد سلوكية لإدارة بحر الصين الجنوبي. لكن الجهود لم تحقق الكثير من النجاح بسبب التصلب الصيني.
لو قررت الفلبين عدم المبالغة في تسليط الضوء على أهمية انتصارها في لاهاي، وتراجعت الأطراف المعنية الأخرى قليلاً، وأعطت الصين بعض المساحة للإقرار بمخاطر عدوانها، فإن من الممكن أن يكون لدى القادة الصينيين رغبة أكبر في التفاوض من أجل التوصل إلى اتفاقية إقليمية. وليس البديل المتمثل في المزيد من التصعيد في سباق التسلح الآسيوي في مصلحة أحد.

*أستاذ ومدير معهد الأمن والدراسات الدولية في كلية العلوم السياسية في جامعة تشولالونغكورن في بانكوك.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق