د. جاسم الشمري

الدولة الخائفة!

تم نشره في الاثنين 18 تموز / يوليو 2016. 11:06 مـساءً

لا شك أن لكل دولة من دول العالم توصيفا ملائما لوضعها؛ فهناك دول ديمقراطية ومستقلة وقوية وشجاعة، ومقابل ذلك هناك دول دكتاتورية ومحتلة وضعيفة وخائفة.
قبل أيام، طلب مني أحد الأصدقاء توصيف "الدولة العراقية" بعد مرحلة الغزو الأميركي وحتى اليوم. حينها وجدتني في حيرة من أمري؛ فلا هي دولة ديمقراطية، ولا ذات سيادة، ولا دولة قوية، ولا شجاعة، ولا دولة مواطنة. ولعلي وجدت أن أفضل توصيف للدولة في العراق اليوم هو "الدولة الخائفة"، وذلك للأسباب الآتية:
- الدولة العراقية الآن تتحرك وفقاً لمبدأ ردود الأفعال، ولم نلحظ لها وجوداً قوياً مهاباً في الشارع العراقي. والدول التي تعمل بردود الأفعال لا تمتلك أجهزة استخباراتية قوية، يمكنها أن تجهض غالبية المؤامرات في مهدها، وأن توقف الدمار قبل وقوعه. ولهذا، نحن أمام دولة مهمتها الأولى أن تتواجد في مكان الجريمة أو الحادث وكأنها منظومة دفاع مدني وليست دولة تتفهم مسؤولياتها، وأن أولى مهامها هو حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم.
- الدولة الشجاعة هي التي تمتلك الإمكانات الأخلاقية والمادية القادرة بموجبها على بسط وجودها وهيبتها في داخل الدولة وخارجها. واليوم، لا يمكن لأصدقاء الحكومة، بل حتى لوزرائها ومسؤوليها، أن ينكروا سحب المليشيات للبساط من تحت أقدام غالبية القطاعات الحيوية في البلاد، وبالذات القطاعات الأمنية والسياسية والقضائية، وهذه ظاهرة لا تبشر بخير للوطن.
رئيس الحكومة القائد العام للقوات المسلحة، حيدر العبادي، اعترف في نهاية أيار (مايو) الماضي، أن هناك في بغداد فقط أكثر من 100 مليشيا يمتلك عناصرها هويات ومقرات، وأن الحكومة ستعمل على إنهاء وجودها.
ورغم تصريح العبادي، فإنه ما يزال عاجزاً عن القيام برد فعل يتم بموجبه تحجيم هذه المليشيات وإنهاء تواجدها العلني في الشارع البغدادي، والإعلام. وهي حتى الساعة مستمرة في تغولها وترويعها للمدنيين العزل. وهذا دليل على أن الدولة عاجزة، أو خائفة من بسط هيبتها أو سيطرتها، وإلا لو كانت الدولة شجاعة بما فيه الكفاية، لسعت إلى حفظ الأمن والنظام، وضربت بيد من حديد كل من تسول له نفسه أن يخدش كرامة العراقيين، فضلاً عن قتلهم واختطافهم والافتراء عليهم بتهم لا أساس لها، ثم بعد ذلك مقايضة ذويهم بمبالغ خيالية. وفي جميع هذه المراحل، تكون الدولة نائمة أو خائفة، ولا تريد أن تتدخل حتى لا تقع في مشاكل جديدة، بحسب قاعدة: "المشاكل التي أنا فيها تكفي"!
- وصلت درجة تدخل المليشيات في الشأن العام للدولة، درجة تهديد الأمين العام لمليشيا "أبو الفضل العباس" والقيادي في الحشد الشعبي اوس الخفاجي -ومن مكان انفجار الكرادة- بإعدام سجناء في سجن الناصرية المركزي. وقبل أسبوع تقريباً وصل الخفاجي إلى محافظة ذي قار بناء على "وعده" بتنفيذ أحكام الإعدام بـ"نفسه" في سجن الناصرية، إلا أنه "لم يفعل ذلك".
الطامة الكبرى أن الخفاجي استُقبل في سجن الناصرية المركزي استقبال القيادات الأمنية من قبل القادة الأمنيين في المحافظة الجنوبية. ومن هناك أكد أنه اتصل بوزير العدل الذي أكد له أنهم سيعدمون 45 سجيناً، وبحضور الخفاجي! فهل يعقل أن يتحكم زعيم مليشيا بالدولة بهذا العمق المخيف؟!
- في ذات اليوم؛ الثلاثاء الماضي، أقامت بعض سرايا الحشد الشعبي استعراضاً عسكرياً في منطقة الباب الشرقي وسط بغداد، بالتزامن مع الاستعراض العسكري الذي نفذته وزارة الدفاع، وأغلقت بسببه الطرق الرئيسة كافة في العاصمة! فهل هم دولة داخل الدولة، أم يريدون أن يقولوا إنهم قادرون على فعل أي شيء؟!
هكذا يتضح لنا أن الدولة الخائفة هي العاجزة عن نشر الأمن والنظام والسلام في ربوعها. وبذلك، لا يمكن للمواطنين أن ينظروا لها إلا بالمنظار السلبي. وهذا من أهم أسباب تدمير الدول وزوالها.
فهل نتدارك العراق قبل أن تبتلعه المليشيات، أم أن البلاد سائرة نحو المجهول؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الدولة الخائفة! !!!!! (ابتسام الغالية)

    الخميس 21 تموز / يوليو 2016.
    من بعد 2003 حكم العراق حكام ماانزل الله بهم من سلطان. .حكام لايستطيعون أن يديرو محل بقاله فكيف لهم أن يديروا دوله بحجم العراق. .وشعب عريق مثل الشعب العراقي. .
    شعب أي دوله دائما يبحث عن من يوفر له الأمن والأمان ويقدم له كل مايحتاج.
    لكن الشعب في العراق يفقد هذه الصفات في الحكومات التي تواردت على حكم بلدهم. .بل الأدهى من ذلك أن دولتهم تخاف على المنصب كثر من خوفها على شعبهاا ..والدليل على خوفها قامت بعمل جيوش ومليشيات وفصائل وسلحت أناس ليس لهم دراية بااستعمال السلاح. .
    دوله تدعي الديمقراطية وتخاف من إقامة المظاهرات السلمية. .
    الحديث يطول. .الكاتب أصاب كبد علة خوف الدوله بشكل مفصل وصحيح. .
    بارك الله في كاتب المقال. .واثني على اختياره لهذا الموضوع الرائع الذي يكشف المزايا السلبيه الخفية للدولة العراقية..
  • »سكة المجهول (بسام الجبور)

    الثلاثاء 19 تموز / يوليو 2016.
    السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
    :"لقد اعتلت العراق سكة المجهول واتجهت الى حيث اللاوجهة منذ ان وطأت قدم اول جندي امريكي ارضنا في العراق بمعاونه ايران
    فانت ومن مثلك من اهل الغيره على اعراض المسلمين للاسف كمن ينعى من مات قبل سنوات"
  • »دولة المليشيات (نوفل الحسينيي)

    الثلاثاء 19 تموز / يوليو 2016.
    تحية احترام وتقدير للاخ الدكتور الكاتب جاسم الشمري لتناوله هذا الموضوع الدقيق والحساس والذي هو حديث الشارع العراقي وشغله الشاغل ... ماتحدث عنه الاخ الكاتب وتناوله للدولة ووصفها بانها خائفة لا اعتقد ذلك ولكن الاصح هو انها ضعيقة وغير قادرة على اتخاذ القرارات اللازمة لعمالة القادة اصحاب القرار السياسي وانحياز وعمالة كل منهم لجهة ما ..فنحن نعلم جيدا تغول ايران في الشأن الداخلي ولكن لا احد يتكلم عنها البته واذا ماحصل شيء يتهمون السعودية تارة بتمويل الارهابيين او تركيا وكان ايران هي ملاك منزل ..كل مايحصل العراق من مشاكل وسرقة ودمار وتخريب مسؤولة عنه ايران 100% ولكن لا احد يتجرأ ويقول ذلك لضعفه ...فايران سعت على تقوية المليشيات واضعاف الجيش فالحكومات بصورة عامة سندها الجيش وهنا يظهر الجيش دائما ضعيفا والانظار موجهة للمليشيات فقط ..فلو كانت لدينا حكومة وطنية قوية مهيبة لالجمت المليشيات واخرستها ولكن امر المليشيات ليس بيدها بل بيد من سلحها ويدعمها وبالوقت نفسه هو مسيطر على الوضع لا الحكومة الضعيقة ....