فرصة إردوغان الحقيقية بعد الانقلاب الفاشل في تركيا

تم نشره في الثلاثاء 19 تموز / يوليو 2016. 11:00 مـساءً
  • مواطنون أتراك يرفعون العلم الوطني فوق دبابة استولوا عليها من الانقلابيين - (أرشيفية)

كمال كيريتشي* - (ذا ناشيونال إنترست) 16/7/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

مع فشل محاولة الانقلاب الأخيرة، تمكنت الديمقراطية التركية من تجاوز اختبار صعب، وعاد البلد من حافة الهاوية. لكن الديمقراطية التركية تلقت ضربة قوية أيضاً.
  *   *   *
يمتلئ تاريخ السياسة التركية بالانقلابات ومحاولات الانقلاب التي وقعت في فترات تفصل بينها عشر سنوات تقريباً. ويكاد يكون ذلك خللاً جينياً راسخاً في هذه السياسة.
* شهدت الديمقراطية التركية الوليدة أول انقلاب في العام 1960، عندما كانت دخلت بالكاد سنتها العاشرة -والذي قادته مجموعة من "الضباط الشباب" اليساريين، الذين أجبروا هيئة الأركان المشتركة أيضاً على الانضمام إليهم. وقد أعيدت السلطة الإدارية إلى المدنيين في تشرين الأول (أكتوبر) من العام 1961، بعد أن أودى الانقلاب بحياة رئيس الوزراء في ذلك الحين، عدنان مندريس، ووزير الشؤون الخارجية فطين رشدي زورلو، ووزير المالية، حسن بولاتكان.
* حدث التدخل العسكري الثاني في العام 1971 ضد حكومة سليمان ديميريل -ولو أن الانقلاب في هذه المرة، كان "انقلاباً بواسطة مذكرة". فقد وجه الجيش إلى رئيس الوزراء إنذاراً بالتنحي وطالبوا بأن تحل محله حكومة من التكنوقراط.
* وقبل أقل من عشر سنوات بعد ذلك، وفي خضم العنف المتفشي بين الجماعات اليمينية واليسارية المتطرفة في تركيا، نفذ كبار ضباط الجيش تدخلاً عسكرياً آخر. وكان هذا التدخل أكثر دموية من التدخلين السابقين؛ حيث أزهق مئات الأرواح وأفضى إلى ارتكاب انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان. وبعد المصادقة على دستور خانق وفرضه على البلاد، قام الجيش بتسليم الحكومة إلى ما شبه حكومة منتخبة ديمقراطياً في العام 1983.
* وعلى نحو مثير للدهشة، كسرت تركيا هذا النمط من التدخلات العسكرية العشرية، واستمرت السلطة المدنية هناك حتى العام 1997، عندما وقع ما سُمي "انقلابٌ ما بعد حداثي". وفي ذلك الانقلاب، دفع الجيش بقافلة من الدبابات إلى شوارع أنقرة، وفي تكرار لانقلاب العام 1971، طالب باستقالة الحكومة الائتلافية التي يقودها نجم الدين أربكان.
* وقع الانقلاب التالي بعد عقد من ذلك (باليوم تقريباً) في نيسان (أبريل) 2007، عندما نفذت هيئة الأركان في الجيش "انقلاباً إلكترونيا" عن طريق إرسال مجموعة من المطالب على موقعها الإلكتروني. وكان ذلك الانقلاب رد فعل على قائمة طويلة من الإصلاحات الديمقراطية التي تم تقديمها كجزء من أجندة القيادة المؤيدة للاتحاد الأوروبي، والتي تم النظر إليها باعتبارها خروجاً على نموذج الحكم العلماني والمقيِّد بشدة. ومع ذلك، ومعززاً بالدعم الشعبي لتلك الإصلاحات، تمكن حزب العدالة والتنمية الحاكم بقيادة إردوغان من النجاح في الصمود أمام "الانقلاب الإلكتروني"، ولأول مرة، تمكن من دفع الجيش ليعود "إلى الثكنات".
* نسبت محاولة الانقلاب الأخيرة التي وقعت يوم الجمعة الماضي على نطاق واسع إلى فصيل غوليني كبير داخل الجيش والهيئة القضائية، والذي تمكن من تجاوز السلسلة الراسخة للقيادة العسكرية، وقام باحتجاز رهينة من ضباط القيادة العليا. والغولينيون هم أتباع المفكر الإسلامي فتح الله غولين، الذي يقود حركة ممتدة على مستوى العالم، والتي تدعي الدفاع عن شكل معتدل من الإسلام السني، مع تركيز على التسامح والحوار بين الأديان. وكان ألقيَ باللوم على الغولينيين، حلفاء إردوغان السابقين، في قيادة فضيحة الفساد التي تكشفت في كانون الأول (ديسمبر) 2013، والتي شملت العديد من المسؤولين الحكوميين والوزراء والأشخاص من دائرة إردوغان القريبة. ومنذ ذلك الحين، انخرط غولين وإردوغان في صراع على السلطة.
العودة من حافة الهاوية
بإفشال محاولة الانقلاب الأخيرة، تمكنت الديمقراطية التركية من تجاوز اختبار كبير، وعادت تركيا من حافة الهاوية. ويعود الفضل في هزيمة الانقلاب إلى أبناء الشعب التركي الذين لبوا دعوة إردوغان إلى مقاومة هذا التدخل "بكل الوسائل الممكنة والضرورية" وملأوا الشوارع والميادين. وقد امتلأت تقارير محطات التلفزة بصور المواجهات المتوترة الهائجة والمباشرة وجهاً لوجه بين المدنيين والجنود المسلحين على الجسرين اللذين يصلان بين الجزأين الآسيوي والأوروبي من إسطنبول. وساعد ضبط النفس والرصانة اللذان تحلت بهما الجماهير في منع تصاعد العنف. ومع ذلك، وقعت خسائر لا معنى لها نتيجة فتح المتمردين النار، وخاصة نتيجة الهجمات التي شنت على مبنى البرلمان، وكذلك على مقر هيئة الأركان العامة. وكان يمكن أن تكون الأمور أسوأ بكثير.
لقد تلقت ديمقراطية تركيا بوضوح ضربة شديدة، والتي خفف من حدتها فقط ذلك الموقف الذي لا لبس فيه، والذي اتخذه قادة المعارضة والإعلام ضد الانقلاب. ومرة أخرى، تمكنت الأمة من كسر هذا النمط من الانقلابات العشرية، وهو ما يوفر للبلد فرصة لا تضاهى للمصالحة. ومن المؤكد أن إردوغان نال نهاية أسبوع قاسية بشكل استثنائي، وأن غضبه من أولئك المسؤولين أو المتورطين في الانقلاب مفهوم. وهو محق في الدعوة إلى "عقابهم وفق القوة الكاملة للقانون في البلاد". ومع ذلك، سيكون من المهم جداً الآن أن يحرص على احترام حكم القانون وأن يعتنق -وينهض إلى مستوى تحدي- كسب القلوب والعقول في أمة مستقطبة بعمق. وهو يمتلك الأدوات للقيام بذلك في ذخيرته، وقد استخدمها بنجاح في الماضي -خاصة ما بين العامين 2003 و2011، عندما كان رئيساً للوزراء. وكان يشار إلى تلك الفترة غالباً على أنها "العصر الذهبي" لحزب العدالة والتنمية، عندما ازدهر الاقتصاد التركي، وتميزت الديمقراطية، وأشيد بتركيا كنموذج لتلك الدول ذات الأغلبية المسلمة التي تتطلع إلى تحويل نفسها إلى ديمقراطيات ليبرالية.
بينما يدير دفة البلاد بعيداً عن حافة الوقوع في حرب أهلية، يحتاج إردوغان إلى الترفع عن فهم ديمقراطية حكم الأغلبية، وإلى التعامل بعدالة مع تطلعات الجماهير التي لبت دعوته وألحقت الهزيمة بمحاولة الانقلاب. وهذا هو أقل ما يستحقه الشعب التركي. كما سيشكل ذلك أيضاً خطوة في الاتجاه الصحيح بالنسبة لجوار تركيا الذي تمس حاجته إلى فترة من الراحة والهدوء والخروج من الاضطرابات الناجمة عن الحرب في تركيا، وعدم الاستقرار في العراق، وطموحات روسيا الإقليمية، والآن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
هذه هي اللحظة التي يجب أن تتحرك فيها تركيا مستقرة وديمقراطية وشفافة ومسؤولة ومزدهرة إلى مقدمة المسرح العالمي. وتحتاج الولايات المتحدة إلى ذلك أيضاً. وبينما عبر البيت الأبيض عن إيمانه بقوة الديمقراطية التركية ودعمه للقيادة المنتخبة، فإن هناك الآن فرصة واضحة لتعزيز تعاون أوثق بين البلدين. ويجب أن تكون الخطوة الأولى في هذا التعاون هي جلب مرتكبي الانقلاب إلى العدالة، والذي يعقبه اتخاذ التدابير لتحسين قدرة تركيا على معالجة وإدارة التحديات الكثيرة التي يواجهها البلد وجواره.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Erdoğan's real opportunity after the failed coup in Turkey
*زميل "توسياد"، ومدير مركز الولايات المتحدة وأوروبا التركي في معهد بروكينغز، والخبير في السياسة الخارجية التركية ودراسات الهجرة. ويدير في البرنامج سلسلة أوراق مشروع سياسة تركيا، ويكتب عن التطورات الأخيرة في تركيا. وهو المؤلف المشارك في كتاب "تداعيات الفوضى: أزمة سورية الإنسانية والفشل في الحماية".

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق