الإعلام في الانقلاب وانقلاب الإعلام

تم نشره في الأربعاء 20 تموز / يوليو 2016. 11:00 مـساءً

زيرالدا حداد*

ما إن انتهى الانقلاب في تركيا، حتى بدأت التحليلات والسيناريوهات تنهال من كل حدب وصوب؛ منها المنطقي، ومنها الخيالي الذي وصل حد السريالية، كاتهام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفسه بافتعال الانقلاب، لتنفيذ أجندة مسبقة بالانتقام من خصومه السياسيين.
لست هنا بصدد إضافة تحليل جديد، إنما على النقيض من ذلك؛ وضع تلك التحليلات تحت طائلة الرصد والنقد، حتى ندرك حجم أزمة التحليل السياسي في العالم العربي اليوم، الذي أصبح يقوم على الرغائبية والمواقف المعلبة المسبقة، ويزيد حالة التشويش والارتباك لدى المواطنين، بدلاً من أن يساهم في تفسير الأحداث وتقديم قراءة عقلانية واقعية لما يحدث.
أزمة التحليل السياسي اليوم مرتبطة بحالة الانقسام السياسي والاستقطاب في الأوساط السياسية والإعلامية والشعبية من جهة، وبتضارب المعلومات أو انتقائها بما يخدم الأجندات الإعلامية لا الهدف الحقيقي للإعلام وللمحللين بتوضيح وشرح ما يجري، فبدلاً من ذلك تزيد التحليلات والتعليقات السياسية اليوم المشهد تعقيداً، وتضفي عليه طابعاً سوريالياً غريباً.
غداة فشل محاولة الانقلاب، تحول أردوغان في تغطية جزء من الإعلام العربي إلى رمز للبطولة، وفي وسائل إعلامية أخرى إلى دكتاتور وجلاد، فيما باتت الصورة الموضوعية والرواية الإعلامية البعيدة عن التحيز، والتحليل السياسي العلمي، بعيدين عن الجمهور العربي.
المشكلة الحقيقية التي واجهها الجمهور لم تقتصر فقط على التحليل، بل حتى على مدى دقة المعلومات والروايات وعدم التثبت من مصادرها، ما جعله مسكوناً بالقلق والريبة من أي أخبار ومعلومات، أو مشوشاً تماماً لحجم التضارب، أو واقعاً تحت طائلة التضليل من قبل الأجندات السياسية التي هيمنت على المشهد الإعلامي بصورة كاملة.
إحدى الروايات، مثلاً، استندت الى اتصال مزعوم جرى بين الرئيس الأميركي باراك أوباما وأردوغان في لحظة الصفر حين كان الانقلاب على وشك النجاح بعد أن تمت السيطرة على أهم المراكز الحيوية، كمطار أتاتورك ومبنى البرلمان والقصر الرئاسي، فيتم بعدها مطالبة قائد القوات الجوية التركية بوقف الانقلاب فورا لحماية المصالح الأميركية.
بالطبع، الهدف من هذه الرواية الإعلامة هو تصوير أردوغان دكتاتوراً عميلاً للقوى الغربية، ولسنا بحاجة إلى كشف الأجندة السياسية التي تقف وراءه. على الطرف المقابل، يقدم لنا سيناريو آخر أحد أكبر جنرالات الانقلاب بوصفه مبعوثاً سابقا لدى السفارة التركية في إسرائيل، ما جعله يؤكد فرضية أن الانقلاب مرحب به إسرائيليا وغربياً من أجل إعادة المنطقة إلى مرحلة الدولة الاستبدادية المنقلبة على الديمقراطية، ولتبقى إسرائيل وحدها سيدة الديمقراطية في المنطقة.
هكذا وجد المواطن العربي نفسه غارقاً في كم هائل من المعلومات والروايات والأخبار التي عززت حالة الارتباك والاستقطاب والغموض. وبدلاً من أن يلعب الإعلام دوره المطلوب في كشف الحقائق والتوثق من مصادر المعلومات والإجابة عن الاسئلة التي ما تزال ملحة بالنسبة للمواطنين، فإنّه أدخلنا جميعاً في دائرة الشك. وهذه نتيجة طبيعية لخروج الإعلام عن المعايير المهنية، ودخوله بصورة كاملة في جحر ضبع السلطة ومصالحها وأجنداتها.

*‏‫إعلامية أردنية

التعليق