"وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين"

تم نشره في الجمعة 22 تموز / يوليو 2016. 12:00 صباحاً

أ. د. محمد خازر المجالي

هي آية من آخر سورة يوسف في سياق التعقيب على القصة، فيها تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم. وهي مع مجموعة آيات أخرى في القرآن، تبين دور النبي والدعاة عموما؛ أن عليهم أن يبلغوا ويدعوا الناس بالحسنى، وبعد ذلك فالقلوب بيد الله، هو وحده يتولى أمرها؛ فلا تذهب نفسك -يا محمد- عليهم حسرات، فإنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء.
هي حكمة الله تعالى في هذه الحياة، وما بعد هذه الحياة الدنيا. فقد خلقنا ربنا وأرشدنا وأقام علينا الحجة؛ فأرسل الرسل وأنزل الكتب، لنعبده وحده لا نشرك به شيئا. فهو وحده الرب الخالق المتصرف في خلقه، وهو وحده الإله المعبود المقصود، وهو وحده الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى ولا يشبهه فيها أحد. فالغاية الرئيسة من وجودنا هي عبادته، ومن عبادته القيام بأمره والدعوة إلى صراطه المستقيم، والتزام كل ما شرع، وأن تكون الحياة كلها له سبحانه، يسعى العبد في إعمار الأرض وخلافتها بالطاعة، ويتنعم بما أعطاه الله للبشر، ويشكره على نعمه الكثيرة، ويصل إلى مستوى من الرقي في علاقاته. وفي النهاية كلنا راحل، فليترك أحدنا آثارا طيبة في هذه الحياة، وليعدّ لما بعد الموت عدته، وبذلك يفوز بالسعادة في الدارين.
نزلت سورة يوسف والنبي صلى الله عليه وسلم في أصعب الظروف؛ كان قد فقد زوجه خديجة رضي الله عنها، وفقد عمه أبا طالب. زوجه التي وقفت معه ورعته وأيدته وأول من آمن به، وبقي النبي صلى الله عليه وسلم يحفظ لها هذا حتى بعد وفاتها، إلى درجة أن تغار منها بعض نسائه؛ فهو الولاء منها لزوجها، وهو الوفاء منه لزوجه، ولاء ووفاء، من أجمل الصفات التي ينبغي أن نحرص عليهما في ظل طاعة الله تعالى. أما عمه، فقد حماه ودافع عنه، وحاول معه أن يسلم وهو على فراش الموت، ولكنه آثر أن يبقى على الشرك. وتألم النبي صلى الله عليه وسلم لحاله، كما كان يتألم عموما لقسوة القوم، وحبه أن يسلموا، ولكنها إرادة الله تعالى.
ونزلت السورة وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعرض نفسه على القبائل، على الأقل ليحموه مما يحمون منه أنفسهم، ويتركوه ليبلغ رسالة ربه. وكان قد عاد من زيارته للطائف ومعه زيد بن حارثة رضي الله عنه. وكان رد أهل الطائف عنيفا؛ حين سفّهوه وأغروا صبيانهم ليؤذوه ويقذفوه بالحجارة، فأدموا قدميه ونكلوا به وبصاحبه. وحينها توجه النبي صلى الله عليه وسلم بدعائه المشهور: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين. إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أو إلى قريب ملكته أمري. إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تُنزِل بي غضبك، أو تحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك". وأرسل الله له جبريل ومعه ملك الجبال ليُطبق على أهل مكة الأخشبين، ولكنه أجاب بجواب الرحيم بقومه المشفق عليهم: إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يوحّد الله.
ويكرمه الله سبحانه بأمرين، بإنزال سورة يوسف بما فيها من توجيهات عظيمة، وبرحلة الإسراء والمعراج. قصة يوسف التي نلخصها بعبارة "إن مع العسر يسرا"، فهذا نبي الله يوسف عليه السلام تعرض لكل أنواع المحن والفتن، ومن كان يظن أن هذا الصبي الصغير الذي ألقاه إخوته في البئر صغيرا سيبقى على قيد الحياة، فضلا عن أن يأتوا إليه يطلبون منه المساعدة، وهو الوزير صاحب الشأن العظيم؟! ففي عرف البشر هذا مستحيل، ولكنه عند الله أمر يسير. فلا تظنن نفسك يا محمد وحيدا على هذه الطريق، فقد سبقك إخوة لك في الرسالة والنبوة وصبروا، فاصبر كما صبروا، ولن يخلف الله وعده بنصرة أوليائه.
أما رحلة الإسراء والمعراج فكانت نقلة خارج قدرات البشر كلهم، آية عظيمة، هيأت النبي صلى الله عليه وسلم بمستوى هذه النقلة، وسبحان الله، ما هي إلا فترة بسيطة حتى كانت بيعة العقبة الأولى، واستجاب نفر من أهل يثرب للنبي صلى الله عليه وسلم، فعندهم علم بقرب مبعث نبي، أخذوا ذلك من اليهود الذين يجاورونهم في يثرب، وتشاوروا فيما بينهم أن يسرعوا بالإيمان به قبل أن تسبقهم إليه يهود، وكان ما كان من أمر البيعة الأولى والثانية، ومن ثم الهجرة وتأسيس الدولة، وبداية الصراع العملي مع المشركين، والتمكين لهذا الدين، وبعدها انتشاره في الأرض.
هو دين الله تعالى، يحاول أهل الباطل عبثا أن يوقفوه، وأن يطفئوا نوره: "يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ" (التوبة، الآيتان 32 و33). ولا بد لهذا الدين أن ينتصر ولو بعد حين، ولا بد لأهله أن يكونوا على مستوى المسؤولية، ويرتفعوا إلى مستواها، فهو دين الله لا أهواؤهم وحظوظهم الخاصة، ولا يمكن لكل مدع بتبني دين الله أن ينصره الله إن كان في نفسه شيء من حظ النفس أو الرياء، فهذا الدين لا يحمله إلا الصادقون المخلصون، وبهم ينصر الله دينه وجنده.
والحقيقة التي لا تغيب أبدا هي وجود طائفة من الناس كثيرة باقية على العناد والكفر، يحزننا أمرهم، ولكنها مشيئة الله، فالمطلوب أن نحسن المعاملة والتبليغ. وفي السورة نفسها بعد آيات قليلة: "قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (يوسف، الآية 108). وهي رسالة لنا جميعا: الصدق والإخلاص والحكمة والفهم، واليقين به تعالى، فالأمر كله له سبحانه.

التعليق