عيسى الشعيبي

الصحفي المواطن

تم نشره في الجمعة 22 تموز / يوليو 2016. 12:05 صباحاً

لم تعد غواية العمل الصحفي وسحره الغامض، حالة مقتصرة على عشاق مهنة المتاعب والأضواء والشهرة، ولم تعد أيضاً دائرة المشتغلين في الإعلام حكراً على كوكبة من المهنيين المسكونين بمتعة ملاحقة الأحداث وتتبع الأخبار، وحرفة الانفراد بالسبق، والكشف عن الأسرار ونقل المعلومات إلى الرأي العام، وذلك منذ أن وفرت ثورة المعرفة وتقنيات الاتصالات الرقمية الحديثة، وسائل تواصل متاحة على أوسع نطاق، وأدوات سهلة الاستخدام، لاسيما لأجيال الشباب والشابات.
نحن اليوم أمام ظاهرة جديدة في عالم الصحافة والإعلام المفتوح على اتساعه لكل راغب في الدخول بقلمه، أو بهاتفه المحمول، إلى هذا الفضاء الذي لا سقف له ولا حدود، ونعني بها ظاهرة الصحفي المواطن، القادر على بث الخبر بالصوت والصورة من عين المكان، بسرعة لا تستطيع أعرق شبكات المراسلين المعتمدين مجاراتها، وبلا تكلفة مادية، أو بأقلها نفقة على أكثر تقدير، الأمر الذي خلق واقعاً جديداً، أبطاله صحفيون هواة، بلا أسماء أو بطاقات اعتماد.
ولعل أحدث أشكال ظاهرة المواطن الصحفي المقدام، وأشدها بلاغة، قد تجلت في ليلة الانقلاب التركي الفاشل، حين تولت وسائل الإعلام الحديث مهمة محطات التلفزة والراديو، التي صادرها الجنرالات برعونة، وقامت بنقل الوقائع والتطورات لحظة بلحظة، بكفاءة تعجز عنها أكبر الشبكات، إلى حد يمكن القول معه إن الهاتف المحمل ومنصات التواصل الاجتماعي، كان لهما الفضل في إسقاط ذلك الانقلاب، الذي لم يفطن مدبروه إلى مدى التغير الهائل في عوالم الإعلام والاتصالات.
في ما مضى من زمن بات بعيداً الآن، كان مجرد احتلال مبنى الإذاعة، وإصدار البيان رقم واحد، متبوعاً بالأناشيد الحماسية والموسيقى العسكرية، كافياً لإنجاح انقلاب ثلة من الضباط المغامرين، بإحكام قبضتهم الثقيلة على البلاد والعباد والدستور والحياة السياسية، إلى أن تحل محلهم مجموعة أخرى من السوية ذاتها، تقامر بالوصول إلى نفس محطة البث الإذاعي. أما اليوم، وفي عصر الثورة الرقمية، وفي القلب منها الهاتف النقال، والمواطن الصحفي، فلا سبيل للتعمية على الواقع، ولا فرصة أمام الانقلابات.
والحق، أن ظاهرة المواطن الصحفي كانت قد بدأت لدينا، مع بدايات ما عرف باسم ثورة "الربيع العربي"، عندما قام نشطاء مدنيون، ومتطوعون بلا دربة، باستخدام "فيسبوك" كمنصة لحشد المتظاهرين، وتنظيم الاعتصامات ومن ثم نشر المعلومات والصور والبيانات، بعيداً عما كان يجري برتابة تحت أعين السلطات ووسائل الإعلام الكلاسيكية، الأمر الذي جعل الكثيرين بيننا يعتقدون أنه ما كان لهذا "الربيع" أن يتحقق لولا الدور الحيوي المدهش لوسائل التواصل الاجتماعي.
وأحسب أن أهم الأدوار التي قام بها الصحفي المواطن، كان الدور الذي نهض به نشطاء الثورة السورية، بما أرسلوه من أخبار عاجلة، ومقاطع فيديو حية، عن مظاهرات عارمة، ووقائع ساخنة، ومجازر مروعة، جرت في أماكن يصعب على المراسلين المحترفين الوصول إليها، الأمر الذي أسقط بيد الأسد، وكشف زيف روايته عن عدم وجود ثورة شعبية في البداية، وتقويض مزاعمه عن المشاهد المفبركة، ناهيك عن إنكاره إلقاء البراميل على الأحياء والأسواق الشعبية.
ولعل أحد أمضى الأسلحة التي تم استخدامها بفاعلية شديدة ضد الجيش الإسرائيلي في الأراضي المحتلة، في الفترة القليلة الماضية، كان سلاح الصورة، أو قل الهاتف المحمول بيد المواطن الصحفي، المصوّب كأنه بندقية نحو انتهاكات الجنود القتلة وممارساتهم العدوانية المتوحشة، وهو ما أثار ذعر قادة الاحتلال، وغل أيديهم في بعض الأحيان، خشية تعرضهم للملاحقات الجزائية، والمساءلة القضائية أمام المحاكم الدولية، إذ كان الإجهاز على عدد من جرحى الهبة الشبابية الأخيرة بدم بارد، خير دليل على جهوزية عدسة التصوير بيد الصحفي المواطن.
وبالعودة إلى مجريات الانقلاب التركي، وما قام به صحفيون مجهولون، وإعلاميون غير معروفين على نطاق واسع، فإنه يصح القول أكثر من ذي قبل، بثقة وطيدة، إن سبب فشل هذا الانقلاب، من بين أسباب أخرى كثيرة، كان ذلك الدور الذي أداه الإعلام الجديد بصورة عامة، والصحفيون المواطنون على نحو خاص، هؤلاء الذين وفروا وسائل اتصال بديلة عن الإعلام الرسمي المصادر، ومنحوا الرئيس التركي فرصة لا تقدر بثمن، مثلت نقطة انعطاف في مسار دحر الانقلاب  واسترداد السلطة.

التعليق