التطبيع مع "داعش"!

تم نشره في السبت 23 تموز / يوليو 2016. 12:00 صباحاً

مايزال ملف “داعش” حديثاً، نسبياً ، بالنسبة لأجهزة الأمن العربية، وكذلك للإعلام، وللمواطن أيضاً.
لذلك سيظل التعامل معه مرتبكاً ولا يخلو من الأخطاء لفترةٍ ما، وسيظلُّ التعامل مع أخباره موضع اجتهاد قد يصيب أو يخطىء.
وفي ظنّي أن هناك خطأ ما يحدث الآن في التعامل العربي والدولي مع هذا الملف من حيث تحويله الى “بعبع” نلقي عليه بكل شيء ثم نتمطى ونستريح!
في التاريخ العربي كنا نلقي بكل تهمةٍ على “إسرائيل”، رغم أن كثيراً من الاغتيالات في صفوف قيادات فلسطينية أو عربية حدثت على خلفيات تصفيات داخلية، داخل التنظيمات أو لصالح أجهزة عربية ودولية، لكننا كنا نجمع كل الملفات ونلقي بها على “إسرائيل”. وكان ذلك مريحاً للمواطن والمسؤول والمحقق الذي يغلق الملف ويرتاح.
بالمقابل، ومثلما كانت تفعلُ “إسرائيل”، لن ينكر “داعش” أي تهمة أو عملية إرهابية تُرمى عليه لسببين: أولهما أنه لا وزن ولا مخزون أخلاقيا أو قيَميا له في الشارع ليخاف عليه، فقد خسر هذه الناحية منذ انطلاقه (صناعته) كتنظيم دموي لا يسعى لأي مصالحة مع أي شارع، حتى الشارع الإسلامي المتشدد.
ثانياً: بما أن التنظيم لا يخشى على “سمعته الأخلاقية”، فهو يرحب بأي “تعظيم” أو “تضخيم” لقدراته العسكرية، حين يجري إحالة كل ما يحدث من عمليات له فوراً، وقبل أن تُرفع الجثث من مكانها!
فما إن نسمع بخبر تفجير أو عملية إرهابية حتى يتسابق المحللون والمذيعون لنسبها للتنظيم قبل أن يصل أوّل شرطي للمكان، وقبل أن يعلن أحد تفاصيل اي شيء.
هذه “الأسطرة” للتنظيم، وتحويله الى “بعبع لا يقهر” هي موضع ترحيبه، وخصوصاً في فترات ضعفه العسكري وانحسار نفوذه، وهو المستفيد الوحيد منها، ليظل موضع إرهاب وتخويف وتهديد.
وفي الأثناء، حين يكون التنظيم هو المسؤول الأول والأخير، والمتهم الجاهز دائماً، عن أي إرهاب يحدث، يصير من السهل حدوث أي تصفيات واغتيالات وعمليات إرهابية، بل ولادة تنظيمات جديدة تشتغل لفترة طويلة باسترخاء مُستفيدةً من قصة “المتهم الجاهز”؛  قبل أن ننتبه إليها.
وهذا يحدث دائماً، في كل الدول، في أوقات الحروب، وأوقات الفوضى الأمنية والسياسية.
كما أن الاطمئنان لفكرة “المتهم الجاهز” هو تعطيل لجهود البحث والاستقصاء الأمني والسياسي بل وحتى البحثي والفكري، وحصر “العدو” في جهةٍ واحدة، نسلط الضوء عليها في حين يتحرك آخرون في العتمة الرحبة.
طبعاً ليس في الحديث بالمطلق شبهة الدفاع عن تنظيمٍ مثل “داعش”، ولكن الذي أراه ان تكريسه دائماً كمتهم قطعي خلف كل ما يحدث لنا هو إعادة مكرورة للطريقة التي تعاملنا بها مع “إسرائيل” تاريخياً، وهو “تطبيع” من نوع ما، حين تجعل الناس يتعاملون معه كأمر واقع. وينتظرون حكمه الذي لا يردّ.
فـ”داعش” ليس هو تلك العصابة الحاكمة في “الرقة”، وفروعها الأمنية والعسكرية، بل هو فكرة، فكرة كامنة داخل كثيرين، وعلينا الانتباه لهؤلاء “الكثيرين” وتداركهم، قبل أن يكبروا كـ”ذئاب منفردة” أو يسافروا للالتحاق بالتنظيم، من حيث معالجة المناهج وخطب المساجد ومعالجة الفقر والبطالة والتسكع و”التدين المجاني” الذي يسمح لكل خريج شريعة أو ملتحٍ بأن يفتي للناس في أمور دينهم وحياتهم.
وعلينا ان ننتبه ان الجلوس في استوديوهات القنوات الفضائية واتهام “داعش” بعد كل عملية هو أسهل الحلول وأقّلها كُلفةً، لكنه ليس أجداها.

التعليق