وسائل الإعلام هوس نتنياهو

تم نشره في الجمعة 22 تموز / يوليو 2016. 11:00 مـساءً

يديعوت أحرنوت

ناحوم برنياع

22/7/2016

أحد المقاطع الكلاسيكية في "حقيبة الأكاذيب" لدان بن آموتس وحاييم حيفر، يتحدث عن عوفر الذي هو المتوفى شاؤول بيبر، الذي دخل في يوم ما إلى مطعم. "ماذا يوجد لديك؟"، سأل النادلة. "قدم مصابة"، أجابته. "مشكلاتك لا تعنيني"، قال لها.
هذا هو الواقع في كل ما يتعلق بوسائل الإعلام: مشكلاتنا تهم عددا قليلا من الاشخاص، ممن لا يعتاشون منها أو تعتاش منهم. من يؤمن بأنه ستنشأ في إسرائيل في يوم ما حركة احتجاجية ترفع شعار حرية الصحافة، فإنه يحلم. ثمن جبنة "الكوتج" ستحد من يحتج عليه، أما استقلالية وسائل الاعلام، فلا. وبشكل عام، الإسرائيليون على قناعة بأنهم يحصلون على المعلومات الكافية من وسائل الإعلام الموجودة، وهذه قد تكون معلومات زيادة على اللزوم. إنهم على قناعة بأن الحديث يدور عن أجسام قوية، ناجحة، تنشغل بنفسها ومتعجرفة. وهذا هو أيضا المظهر التي تبثه وسائل الاعلام: كلما كانت الضائقة أكبر، كلما كان الماكياج أكثر. المظهر هو جزء من الـ دي.ان.ايه.
تتمتع وسائل الإعلام في إسرائيل في الوقت الحالي بحرية كبيرة، رغم أن حرية التعبير غير محمية بالقانون، رغم أن القانون لا يمنح الصحف حقوقا معينة، ولا حتى حق المطالبة بالحصول على المعلومات – بوابات الاجهزة العامة مفتوحة، وما لا يتدفق بشكل طبيعي يتم تسريبه آجلا أم عاجلا. وخلافا لدول اخرى، الصحافيون في إسرائيل لا يتم سجنهم بسبب رفضهم الكشف عن مصادرهم. قواعد لعب غير مكتوبة وقرارات محكمة العدل العليا تدافع عن حريتهم في العمل. والصحافي الذي يكشف عن عورة السلطة يحظى بالمجد، واحيانا يحصل على جائزة من المؤسسة. وجهاز "الشاباك" لا يطارده.
نظرة اخرى تكشف علامات الفساد. وسائل الاعلام المهنية – ثلاث صحف يومية واليوميات الاقتصادية التي تتعلق بها وثلاث قنوات تلفاز – أصبحت ضعيفة اقتصاديا. فهي تقيل الموظفين (محطات الراديو هي قصة منفصلة، هناك محطتان رسميتان تتعرضان للقصف، ومحطات محلية تجارية). مواقع الانترنت تتسبب باضعاف وسائل الاعلام القديمة، لكن الصحافة هي فقط جزء من النموذج الاقتصادي لها. الشبكات الاجتماعية تعطي المعلومات، ولكنها احيانا تكون منحازة وهامشية وكاذبة. وقد تحولت إلى أداة عمياء وخطيرة في أيدي غير أمينة.
هذه الامور تضر بوسائل الاعلام القديمة في العالم الغربي عامة. حيث يتم اغلاق صحف أو تنتقل إلى ملكية الطغم المالية لا تعنى بثقافة الجمهور. وهم يشترون وسائل الاعلام لابتزاز الحكومة من خلالها ومن أجل مصالحهم الاقتصادية أو من اجل غسل أدمغة القراء. واحيانا يقومون بشراء وسيلة اعلام كدمية للكبار. وقد لعب مايكل جاكسون بالدمى وزعران الهاي تيك يلعبون بالصحف.
القصة الإسرائيلية مشابهة ومختلفة في نفس الوقت. والفرق يتركز في الشخصية المعقدة لبنيامين نتنياهو، وزير الاعلام ورئيس الحكومة. وسائل الاعلام تشكل هوسا لديه، أكثر من القنبلة الايرانية، أكثر من صواريخ نصر الله، أكثر من حماس بل وأكثر من اوباما. أحيانا يكون هذا الأمر مسليا واحيانا يكون مقلقا. ليست هناك صلة بين حجم التهديد وبين شدة الرد. نتنياهو يعيش في فقاعة تخصه.
لنفرض أننا سنتحول في يوم ما إلى تركيا اردوغان، وكل الموظفين والموظفات في "يديعوت أحرنوت"، المحررون والمراسلون والطابعون وموظفو الادارة وسائقو الشاحنات ومن يغسلون الصحون في المقصف – جميعهم يقفون أمام كتيبة اعدام حيث يتم اعدامهم. فهل سيجد نتنياهو الهدوء؟ هل الاصوات التي تزعجه يوميا، التحقيقات في الشرطة وتدفق الاموال ومشكلات العائلة ومطالب الوزراء والازمات الائتلافية، ستختفي؟.
هناك شك كبير. فأول أمس واثناء جولته، شعر نتنياهو بحاجته إلى أن يقول لعدسات الكاميرا لماذا قرر كوزير للاعلام أن يخنق اتحاد البث الجماهيري قبل ولادته القانونية بثلاثة أشهر. "اولئك الذين يتحدثون عن حرية الصحافة"، قال، "لا يتناسب ذلك مع جهودهم لإغلاق صحيفة يسرائيل هيوم". بالطبع هذا كذب: لم يحاول أحد اغلاق الصحيفة، وكل ما طلبه اعضاء الكنيست منه هو العمل حسب مبادئ المنافسة القائمة في السوق المفتوح، وأخذ الثمن ولو بشكل رمزي. نتنياهو هو فارس السوق المفتوح إلى أن يصل الامر اليه، إلى جيبه أو إلى غضبه.
"اتحاد البث الجماهيري" بعيد عن أن يكون مكتملا. فولادته فيها رائحة عفنة صدرت عن سلطة البث القديمة، لا سيما ذراعها التلفزيونية. وما تم نشره حتى الآن في "يديعوت أحرنوت" والقناة 10 هو طرف جبل الجليد. إن نية جلعاد اردان الذي أيد الفكرة عندما كان وزيرا للاعلام، كانت حسنة. ولكن في الحكومة مثلما في الحكومة، كانت العملية مليئة بالمتفجرات، والمدراء الذين تم تعيينهم داسوا على معظمها، والعمال الذين كانوا سيقالون جندوا لمساعدتهم رئيس الهستدروت الذي يخشى من الاقالة في الانتخابات، والأهم من كل ذلك هو أن نتنياهو اكتشف أن الاتحاد جند عددا من الصحافيين الحقيقيين ممن لهم أسنان من اجل خدمته. نتنياهو قال بينه وبين نفسه، ما حاجتي إلى ذلك، وقرر اغلاق البسطة.
الخطوة الثانية كانت العطاء المتعلق بتشغيل قناة الكنيست. نتنياهو يريد تغيير شروط العطاء لضمان اختيار شركة تكون بملكية أحد المقربين، وتكون خاضعة له. وهكذا ستنضم هذه القناة إلى مجموعة قنوات اخرى والصحافة المكتوبة والتلفاز والانترنت التي يمسك نتنياهو بخيوطها. لقد رأيت عدد من الظواهر الغريبة في وسائل الاعلام منذ قيام الدولة، لكن شيئا كهذا لم يسبق لي أن رأيته.
للأسف الشديد، وسائل الاعلام تتصارع في ما بينها وهي مدمنة على حسابات الماضي بين مالك ومالك وبين محرر ومحرر وبين مراسل ومراسل. ومدمنة على المنافسة الحقيقية أو المزيفة. بعض السحر المهني هو التشويش بين الهام والهامشي. واحيانا ما يبدو أنه عنوان رئيسي يتحول إلى خبر هامشي في اخبار نشرة المساء. التاريخي يلتقي مع الهستيري، مصالح الجمهور مع مصالح اللهو، والأنا مع الأنا. وهكذا أيضا في حروب الصحافيين: الصراعات الداخلية تؤثر على الصراع الحقيقي، والصراع من اجل تحقيق حقوقنا وواجبنا تجاه توعية الجمهور.

التعليق