قانون الانتخاب قاصر ومتعارض في بنوده

بريزات: مفهوم الأمن يتقدم على الحقوق

تم نشره في السبت 23 تموز / يوليو 2016. 11:51 مـساءً - آخر تعديل في الأحد 24 تموز / يوليو 2016. 10:49 صباحاً
  • المفوض العام للمركز الوطني د. موسى بريزات خلال الحوار مع اسرة "الغد" - (تصوير ساهر قداره)
  • المفوض العام للمركز الوطني لحقوق الانسان د. موسى بريزات يتحدث لـ"الغد" الاسبوع الماضي - (تصوير: ساهر قداره)

غادة الشيخ

عمّان - اعتبر المفوض العام للمركز الوطني لحقوق الانسان الدكتور موسى بريزات أن هناك "تراجعا" في مستوى الحقوق المدنية والسياسية في الاردن، خلال السنوات القليلة الماضية، وذلك "مع زيادة عدد الموقوفين بقضايا يمكن تصنيفها ضمن حرية الرأي والتعبير وحرية التجمع"، فيما رأى ايضا ان الحكومات المتعاقبة ما تزال "غير قادرة حتى الان على حل المشاكل الاقتصادية، وتخفيض نسبتي الفقر والبطالة، ضمن استراتيجية وطنية محكمة".
ووصف بريزات حالة حقوق الانسان في الأردن بـ"المتذبذبة"، وقال إنها "تسير خطوة الى الامام وتعود خطوتين الى الخلف"، معتبرا أن أبرز عوائق تحقيق منظومة حقوق الانسان على مستوى المملكة "هي البنية التشريعية، والتي تشتمل على نصوص مقيدة للحريات والحقوق، وأخرى فضفاضة، تسهل تقييد الحكومة لبعض الحقوق، اضافة الى وجود تشريعات غير موائمة للاتفاقيات الدولية التي وقع عليها الأردن".
ورأى بريزات، خلال حوار اجرته معه "الغد" الاسبوع الماضي، أن "مفهوم الأمن في الأردن بات يغلب على مفهوم حرية الرأي والتعبير في العديد من الاحيان"، وقال بات المفهوم الامني "سببا تتذرع به الجهات الرسمية لوضع تقييدات أمام هذا الحق في التعبير والتجمع".
ورغم اقراره بتصاعد حدة التهديدات الامنية خلال السنوات الاخيرة، فانه يرى ان ذلك "لا يجب ان يقدم مفهوم الامن على القانون والحريات".
"الجرائم الإلكترونية" و"الإرهاب" قانونان مقيدان
وبيّن أن تراجع الحقوق المدنية والسياسية "ترجم بعدة ممارسات، حيث تم منع تنظيم تجمعات سلمية، كان آخرها فض خيمة اعتصام ذيبان، اضافة الى ارتفاع عدد الموقوفين في قضايا الرأي والتعبير، وتوجيه تهم لهم، لها علاقة بقانون الارهاب، مثل اطالة اللسان وتقويض نظام الحكم".
وردا على سؤال عن كيفية مواجهة قوننة تقييدات حرية الرأي والتعبير، بين بريزات ان المادة 11 من قانون الجرائم الالكترونية، وقانون منع الارهاب وقانون العقوبات "سهلت في بعض نصوصها من عملية تقييد ذلك الحق الدستوري، والذي كفلته المواثيق الدولية، خصوصا وأنها لا تتعدى على ذلك الحق فقط، بل تنسب تهما تحال الى محكمة أمن الدولة".
وطالب الحكومة الحالية بوضع قانون "صريح يوضح في نصوصه الجرائم التي تتعلق بالارهاب، حتى لا تكون النصوص الفضفاضة في القوانين الأخرى، أداة تسهل التعدي على الحريات وتقييدها".
استقلالية المركز الوطني مضمونة
بيد أن بريزات يسجل، رغم ذلك، "تقدما" في مستوى الوعي الرسمي لاهمية تطبيق منظومة حقوق الانسان على كافة المستويات، وقال "إن الأردن يشهد تقدما على مستوى الوعي الرسمي باهمية حقوق الانسان وتطبيق منظومة ضامنة لها،  بفعل الاشتباك الايجابي من قبل المركز الوطني لحقوق الانسان ومؤسسات المجتمع المدني والاعلام مع الحكومة، في هذا المجال".
لكنه يرى ان هناك "اشكاليتين ما تزالان حاضرتين في موضوع الوعي الرسمي بحقوق الانسان، اذ هناك قطاع من المسؤولين الرسميين يرى أن حقوق الانسان تشكل تهديدا للأمن، وبعض المسؤولين يرون أن حل قضايا حقوق الانسان تتم من خلال ممارسة العلاقات العامة فقط، وليس بتنفيذ الالتزامات الدستورية والقانونية"، وفق بريزات.
وردا على سؤال حول استقلالية المركز الوطني لحقوق الانسان، اكد بريزات ان "الاستقلالية متوفرة الى حد بعيد وهو يمارس دوره ومهامه بكل حرية"، وقال انه لمس تعاونا من قبل الحكومات المتعاقبة مع المركز ودوره، مشيرا إلى أن المركز الوطني "لم يتعرض لتقييدات في ممارسة عمله.. ولا صحة لقيام جهات امنية او رسمية بمراجعة تقاريره". 
وأفاد أن المركز تعرض مرة واحدة لمحاولة تدخل في عمله، حصلت العام 2007، عندما طلب مسؤول بتغيير نتائج رصد المركز للانتخابات النيابية في 2007، لكن لم يتم الاستجابة له. واستدرك "كان يجب اعلان اسم ذلك المسؤول ومحاسبته تحقيقا لمبدأ الديمقراطية".
ملف التعذيب بحاجة لتعديلات تشريعية
وفيما يخص ملف التعذيب والانتهاكات الحقوقية في مراكز التوقيف والسجون، يوضح الدكتور بريزات ان المركز الوطني "يلحظ تقدما على هذا الصعيد"، وان المركز ايضا حقق تقدما في ممارسة دوره بالرقابة على اي انتهاكات تحصل في هذا المجال.
وقال إن "المركز الوطني حقق تقدما في مواجهة التعذيب والممارسات اللاإنسانية، حيث زار العام الماضي أكثر من 162 مركز توقيف"، واوضح "يمارس المركز دوره عبر هذه الزيارات بمناهضة التعذيب، والتحقق من اية حالة او شكوى، ويصدر تقارير وتوصيات ترفع للحكومة، من أجل الحد من مثل هذه الجرائم".
وهو يرى ان ثمة مشكلة تشريعية في مواجهة التعذيب في الأردن، تكمن في المادة 208 من قانون العقوبات، التي تربط جريمة التعذيب بتوفر "القصد الخاص" لمرتكبها.
وشرح ذلك بالقول: "بمعنى أن هذه المادة لا تعترف بالتعذيب، الا اذا تم لغايات سحب اعترافات بالاكراه من المحتجز، وهو ما يتعارض مع اتفاقية مناهضة التعذيب، التي وقع عليها الأردن، والتي تعتبر التعذيب هو أي فعل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أم عقليا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في انه ارتكبه، هو أو شخص ثالث أوتخويفه أو ارغامه هو أو أى شخص ثالث".
مطلوب تحويل التعذيب لجناية وإقرار تعويض الضحية
وعليه، طالب بريزات الحكومة بتعديل مفهوم القصد الخاص في المادة 208 من قانون العقوبات، بحيث يشمل التعديل تحويل التعذيب من "جنحة الى جناية"، كما هو في اتفاقية مناهضة التعذيب، اضافة الى ضمان انصاف الضحية وتعويضه، حتى يكون ذلك رادعا لممارسة التعذيب.
كما اكد ان المركز الوطني "يؤيد المطالب الحقوقية، المتمثلة بضرورة احالة قضايا التعذيب الى المحكمة النظامية، وليس لاي محكمة شرطة كما هو معمول به الآن"، موضحا أن ذلك لا يعني التشكيك بتلك المحكمة، لكن "احالتها للمحكمة النظامية اكثر فعالية في مناهضة التعذيب".
واقر بريزات ايضا بوجود مشكلة "الافلات من العقاب" لمرتكبي جرائم التعذيب، وقال "ان ثمة مشكلة في قضية الافلات من العقاب، أضف إلى ذلك ان عدم الإعلان عن نتائج التحقيق في قضايا التعذيب يعد مشكلة".
لذلك دعا بريزات إلى "تعديل البنية التشريعية الخاصة بقضايا التعذيب"، التي قال إنها " بنية تسهل الافلات من العقاب، وتزيد من تخوف الضحية من تقديم شكوى بتعرضه لتعذيب".
جدل دولة القانون والدولة البوليسية
ويلفت بريزات الى جدل الصراع بين مفهومي دولة القانون وضمان حقوق الانسان وبين الدولة البوليسية، التي لا تلتفت كثيرا لضمانات حقوق الانسان. وقال "دولة القانون، هي دولة قوية، تحفظ حرية الرأي والتعبير، وتوفر الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين، ولا تستخدم ممارسات عنيفة لانتزاع الاعتراف"، معتبرا ان ثمة فرقا بينها وبين الدولة البوليسية "التي هي دولة ضعيفة.. لا تحاسب من يمارس التعذيب وتجاوز على الحقوق والحريات والقانون بدعوى الامن، لكنها لا توفر استقرارا ولا ولاء ولا تقدما".
وجدد بريزات التأكيد على "وجود مشكلة في البنية التشريعية بالعديد من المجالات الحقوقية"، فهناك تشريعات "مقيدة تعرقل مسيرة تعزيز مفاهيم حقوق الانسان وحمايتها، اضافة الى تشريعات تساق على أنها تسهل عملية الاصلاح، لكنها في مضمونها تبطئ من ذلك".
المركز جهة تحقق لا تحقيق
وردا على انتقادات توجه للمركز الوطني بان دوره يقتصر، فيما يتعلق بقضايا وشكاوى التعذيب وبعض الانتهاكات، على التحقق وليس التحقيق، يرى بريزات انه "يفضل ألا تكون المؤسسات الوطنية الحقوقية جهة قضائية، او ان تمنح صفة الضابطة العدلية، لأنه اذا حصل ذلك، فستتحمل مسؤوليات كبيرة تفوق قدراتها، كما انها تصبح بذلك سلطة قضائية موازية، وهو امر غير صحيح".
وأضاف "نحن لسنا بحاجة للتحقيق ... المطلوب تعديل التشريعات ومراقبة تطبيقها".
وعن أبرز القضايا التي يمارس فيها التعذيب وفق الشكاوى التي يستقبلها المركز، أشار بريزات الى انها تقع في قضايا المخدرات وجرائم السرقة الكبرى.
وردا على سؤال، يرى بريزات ان ثمة "خلطا" عند المواطنين بخصوص دور المركز الوطني لحقوق الانسان، بين التحقق والتحقيق، وقال "إن كثيرا من المواطنين يعتقدون أن مسؤولية المركز هي تحقيق منظومة حقوق الانسان في الأردن، وهو أمر فيه لبس، اذ ان مهمة المركز تقتضي، باعتباره هيئة رقابية، اصدار تقارير بناء على رصده لقضايا، بحيث يبدي ملاحظاته للحكومة".
ولفت في هذا السياق الى قيام المركز برفع ملاحظاته للحكومة السابقة، فيما يتعلق بوجود مخالفات في بعض التعديلات الأخيرة على الدستور، للاتفاقيات الدولية، وقال "اكتفينا بتقديم الملاحظات.. فليس للمركز دور في تغيير هذه التعديلات".
والمركز الوطني، كما يضيف بريزات، هو "مرآة تعكس حقوق المجتمع وتظهرها للحكومة.. وتعكس في ذات الوقت ممارسات الحكومة في مجال حقوق الانسان وتظهرها للمجتمع".
اختلال في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
ويرى بريزات ان ثمة خللا لا يقل اهمية عن تراجع الحريات العامة في بعض الجوانب، وهو الاختلال في الحقوق الاقتصادية.
وقال، ردا على استفسار حول ما اذا كانت الحكومة تطبق نصوص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والثقافية والاجتماعية، الموقع عليه من قبل الأردن، اعتبر بريزات أن الحكومات "ما تزال مقصرة في هذا المجال"، مشددا على ضرورة أن تلتفت الحكومة الحالية لأهمية وحساسية ملف الحقوق الاقتصادية، خصوصا وأن اثار غيابه السلبية بدأت تظهر بوضوح، ويمكن تلمسها، لافتا، في هذا السياق، الى ما ينشر بالصحافة عن قرى يهاجر سكانها لتردي الاوضاع المعيشية والاقتصادية وغياب البنى التحتية.
كما لفت ايضا الى تسجيل ارتفاع في جرائم الانتحار، بسبب الحاجة والفقر، اضافة الى تردي أوضاع الفئات الأقل حظا، لاسيما ذوي الاعاقة، حيث ان 90 % من هذه الفئة، لا تحصل على حق التعليم، فيما المعونة، التي تقدم لهم، لا تمثل الحد الأدنى المطلوب.
وردا على سؤال "الغد" حول المطلوب لتجنب ويلات أخرى على ذلك الصعيد، دعا بريزات الحكومة إلى "وضع استراتيجية وطنية لمجابهة التحديات الاقتصادية، ووضع خطط تضمن تنفيذ هذه الاستراتيجية على أرض الواقع".
ولا يرى بريزات مشكلة في تشعب القطاعات التي يعمل المركز الوطني على تبني متابعتها، ومنها الحقوق الاقتصادية والثقافية، ويؤكد أن "الحقوق الاقتصادية والثقافية لا تقل أهمية عن المدنية والسياسية، والمركز يولي اهتماما واسعا لهذه المجالات، لاسيما التعليم والصحة والبيئة، التي تستلزم جهودا لمتابعة تحقيق حقوقها".
وبين أن هذه القطاعات "تواجه مشكلات وتحديات واسعة، خصوصا في الاعوام العشرة الماضية، عندما تداخل القطاع الحكومي بالقطاع الخاص، اثر تحول العديد من الادوار الخدمية من الحكومة الى القطاع الخاص مع بقاء الدور المنظم والتشريعي والرقابي للحكومة".
عيب في قانوني الانتخاب و"اللامركزية"
وفيما يتعلق بخطة المركز أثناء العملية الانتخابية، قال "قبل الحديث عن ذلك، لا بد من الاشارة إلى أنه كان للمركز ملاحظات على قانون الانتخاب الجديد، الذي يشوبه كما قانون اللامركزية قصور تشريعي، إذ أن قانون الانتخاب لا يوفر بيئة لتشكيل قوائم انتخابية بالمغزى المطلوب، ويضم القانون الحالي بعد تعديله مبدأين متعارضين".
واوضح: "هذان المبدآن هما مبدأ القائمة النسبية ومبدأ القائمة المفتوحة، فالأولى يعتبر التصويت فيها تصويتا لكل من في القائمة، أما القائمة المفتوحة فتعني أنها تفتح للمواطن فرصة أن يصوت لشخص واحد بعينه، الأمر الذي يمنح أفضلية لمرشح دون آخر".
وردا على سؤال اذا ما حاول المركز الوطني تنبيه الحكومة من هذا التعارض، قال بريزات "نصحنا الحكومة بأنه في حال اصرارهم على القائمة المفتوحة فاتركوا المواطن يشكل قائمته من جميع القوائم، بحيث يحد ذلك من اصطدام الاعضاء المرشحين في ذات القائمة.. الا أن الحكومة رفضت هذه النصيحة".
أما عن قانون اللامركزية، والمزمع اجراء انتخاباتها العام المقبل، فان المركز الوطني، بحسب بريزات، يعتبره "قانونا مركزيا بامتياز، حيث يمنح المحافظ بمجلس المحافظة دورا مركزيا"، وقال "إن الأردن سيواجه مشاكل في المرحلة المقبلة من جراء قانوني الانتخاب واللامركزية".
وبالعودة إلى دور المركز في الانتخابات النيابية المقبلة، بين بريزات إن المركز "سيمارس دوره بالرقابة على العملية الانتخابية".
واوضح، في هذا السياق، ان المركز "وبناء على طلب هيئة دولية كان قدم مشروعا لمراقبة الانتخابات، إلا أنه تم الغاء فكرة تمويل هذا المشروع لاحقا".
ومع ذلك، ان عدم الموافقة على تمويل المشروع الذي كان "سيسهل" عمل المركز واتساع دوره بمراقبة الانتخابات، لن يمنعه من الرقابة على الانتخابات "وفق امكانيات المركز الذاتية للمراقبة واصدار التقارير".
الخطة الحكومية لحقوق الانسان
وعن تقييمه للخطة الوطنية الشاملة لحقوق الانسان، التي اعلنتها الحكومة السابقة، وتستمر الحكومة الحالية بتطبيقها، قال بريزات ان "الخطة ليست كاملة وثمة ملاحظة على طول مدتها، والتي تبلغ عشرة أعوام، لكن في المقابل، فانها قد تطرقت لقضايا حساسة ومهمة، لها علاقة بحرية الرأي والتعبير والتعذيب والارهاب، وهي امور ايجابية، وفي حال تحققت على أرض الواقع فستكون مدخلا صلبا لنهضة حقيقية بحقوق الانسان في الأردن".
وعن اللقاء الأخير لرئيس الوزراء الدكتور هاني الملقي بمجلس مفوضي المركز الوطني لحقوق الانسان، والذي أثمر عن استجابة الحكومة لمطلب تعديل قانون المركز، قال بريزات إنه لمس جدية من قبل الحكومة في الاهتمام برؤية وجهد المركز في مجال حماية منظومة حقوق الانسان.

التعليق