حنان كامل الشيخ

بين "ساتوشي" و"رازان"!

تم نشره في الثلاثاء 26 تموز / يوليو 2016. 12:00 صباحاً

ما لا يعلمه غالبية الناس، وليس بعضهم كما جاء في الخبر، أن مخترع لعبة “بوكيمون” التي جننت الدنيا، هي للمصمم الياباني “ساتوشي تاغيري”، المصاب بمرض التوحد!
وهو رجل ليس صغيرا بالسن بالمناسبة. ولكنه كان ومنذ صغره مولعا بصيد الحشرات، وخصوصا النمل في الشوارع والأزقة والحدائق. ولكن وبسبب عدم تمكنه من ممارسة هوايته المفضلة، في شوارع العاصمة طوكيو، تحول اهتمامه إلى اختراع ألعاب الكترونية، قائمة على فكرة الملاحقة والصيد، إلى أن وصل به الأمر إلى استحداث لعبة “بوكيمون”، لتعبر عن طريقة تفكيره، وشغفه الكبير في الصيد والبحث.
“تاغيري” من مواليد ستينيات القرن الفائت، وهو مصاب فعلا بإحدى المتلازمات المعقدة، التي تتبع مرض التوحد. لكنه ولأنه ياباني المنشأ طبعا، وجد من يرعى طفولته وهوايته، في المدرسة والمؤسسات الراعية للأطفال والكبار، من ذوي الاحتياجات الخاصة، وبالطبع نجح في اجتياز مراحل عمره تباعا، كأي ولد طبيعي لا يعاني من أي مشكلة، مثله مثل ملايين الحالات المشابهة الذين ولدوا في مناطق، ترعى وتراعي أصحاب الاحتياجات الخاصة بحق. في دول لا تتباهى كثيرا بالمواقف المخصصة لسياراتهم، أو بالممرات المعمولة لمرورهم، ولا حتى بالإعفاءات الجمركية الممنوحة لهم!
دول، سبقتنا بعشرات الأعوام الضوئية، في كيفية التعامل مع البشر، كيفما كانت حالتهم حين أتوا إلى الدنيا، مجهزة للحالات الخاصة منهم، برامج مخصصة في التعليم والتدريب واللعب والاندماج الكامل، لوجستيا وفيزيائيا وعاطفيا مع المجتمع المحيط.
في المقابل، وتقريبا بنفس وقت نشر الخبر الخاص بمخترع لعبة “بوكيمون”، نقرأ رسالة على مواقع التواصل الاجتماعي، لفتاة جميلة اسمها “رازان إسماعيل”، في يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة، تقول فيها إنها من ذوي الاحتياجات الخاصة، التي وككثيرين يشبهون حالتها لم يتمكنوا من إكمال صفوفهم الدراسية في مدارسهم، سواء الحكومية أو الخاصة. لأنها ببساطة غير مهيأة للتعامل مع تلك الحالات، إلا إلى حد معين وقدرة متواضعة، تعليميا ولوجستيا وإنسانيا. فمعروف أن حالات مشابهة مطلوب منها إما الانضمام لمراكز خاصة غير مدمجة مجتمعيا مع بقية الناس “الطبيعيين”، أو الاعتماد على جهودهم وجهود بيئتهم الأسرية إن كانت متاحة هي الأخرى، لاستكمال مسيرة الحياة العادية.
وهذا ما حصل مع رازان، التي لم تستطع أن تقاوم أكثر من الوصول إلى الصف السابع، ضمن معطيات لا تشمل إلا الطلبة “الكاملين المكملين ما شاء الله”، وأعتقد أننا كلنا شاهدنا وقرأنا نسب النجاح التي تدل على الكلام السابق!
عموما، أسرة الطالبة رازان وقفت معها حتى تحقق ليس حلمها بل حقها الطبيعي في الدراسة، والتي أجبرت على أن تكون منزلية، فواصلت رحلتها وهي حبيسة جدران البيت، وأكملت تعليمها بمجهودها الشخصي، ومساعدة أهلها الرائعين، الذين لم يفقدوا أملهم، ولم يسهموا في قتله كما يفعل أهال آخرون للأسف. وقبل يومين قامت “رازان” بتصوير العبارة التي لطالما انتظرتها، ونقلتها لنا عبر صفحتها على “فيسبوك”؛ الحالة: أنهى بنجاح مباحث هذه الدورة!
تداول نشطاء مواقع التواصل، خاصة المهتمين بحقوق الإنسان، رسالة “رازان” على أنها خبر يستحق النشر والاحتفال، رغم أنه في أماكن أخرى، ربما ينتشر كخبر عجيب، يحمل أسئلة منطقية، في كيفية نجاح هذه الفتاة بجهودها الشخصية!
أعرف أن بعض المدارس والجامعات، وهي نادرة ولا تعد على أصابع اليدين، لديها قدرات جيدة لتحمل تعليم وتدريب الطلاب من ذوي الاحتياجات الخاصة. ولكنها مؤسسات قليلة جدا، وتكلفة الالتحاق بها عالية. وأعرف في المقابل إحدى المدارس التي تضع على موقعها الالكتروني، جملة صريحة جدا تقول إنهم لا يستقبلون طلابا من ذوي الاحتياجات الخاصة، وحين قمت مرة بالاتصال بهم لتعديل صيغة الجملة، لتكون ألطف من ذلك، قوبلت برد لا أتمناه لأحد!
المهم، “رازان” نجحت والحمد لله في الثانوية العامة، ومثلها كثيرون من الصابرين على ظروف مدارسهم الصعبة، أو المعتمدين على جهودهم الخاصة.
أما نحن، فلنمض الأيام إما نبحث ونصطاد “بوكيمونات”، أو ننتقد ونجادل في أصل وفصل وأهداف اللعبة، التي اخترعها لنا أساسا، شخص بمنتهى الذكاء، كان مصابا بالتوحد!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كلمات رائعة (أبو عبدالله)

    الجمعة 29 تموز / يوليو 2016.
    شكرًا استاذة حنان على رقي الكتابة. المقال يحتوي على رسالة طاهرة.