مروان المعشر

ثقافة الديمقراطية الانتقائية

تم نشره في الأربعاء 27 تموز / يوليو 2016. 12:08 صباحاً

كُتب الكثير عن محاولة الانقلاب في تركيا. واصطف الشارع الأردني، بشكل خاص، بين مؤيد ومعارض؛ وحفلت الصحف والمواقع الإلكترونية بالعديد من التحليلات والنظريات. لكننا لا يمكن أن نُغفل ما أشار إليه هذا النقاش بشكل واضح، وهو هشاشة الثقافة الديمقراطية التعددية لدى الكثيرين، وممن يحسبون أنفسهم على التيار الليبرالي أو العلماني بشكل خاص.
الديمقراطية لدى كثير من العلمانيين والليبراليين انتقائية بامتياز؛ فإذا جاءت نتائج هذه الديمقراطية لصالح هذا التيار، يصبح ديمقراطيا شرسا، أما إذا جاءت لغير صالحه، فلا مانع من الاصطفاف مع الدكتاتورية أو الانقلابات العسكرية، ما دامت تخدم غرضه في إقصاء الفريق الآخر.
رأينا مثل هذا الاصطفاف حين قام الرئيس عبدالفتاح السيسي في مصر بانقلابه العام 2013، حتى مع وجود تأييد شعبي لم يترجم من خلال صناديق الاقتراع، ولكن كان لا بأس من استبدال "دكتاتورية" مرسي بدكتاتورية العسكر، لأنها تلبي الحاجات الآنية للتيار الليبرالي. وماذا كانت النتيجة؟ أصبح النظام المصري معاديا لأي قوى تطالب بالإصلاح؛ علمانية كانت أم دينية. وتواجه مصر اليوم تحديات اقتصادية وسياسية هائلة، بدأت نتائجها تؤثر على شعبية النظام بشكل واضح.
ها هي الظاهرة تتكرر في تركيا. العديد من الليبراليين مستعدون لدعم الانقلاب على الديمقراطية، لأن تصرفات أردوغان لا تعجبهم. فإذا كان أردوغان يتصرف بشكل ديكتاتوري، فلا بأس من تغييره بالأساليب الدكتاتورية، لأن دكتاتورية أردوغان المنتخب منفرة، أما دكتاتورية العسكر غير المنتخبين فمقبولة.
ومن منا يستطيع تسمية انقلاب عسكري واحد في العالم العربي أدى إلى بحبوحة اقتصادية أو سياسية، أو أي نوع من البحبوحة؟
الكثير منا ديمقراطيون انتقائيون. لا يجد البعض منا، وبخاصة من الجانب العلماني، مشكلة في تأييد نظام الأسد الذي أفنى مئات الألوف من شعبه، وتمجيد الديمقراطية والحريات في الآن ذاته.
وفي الوقت نفسه، ينادي البعض الآخر من المحسوبين على التيار الديني بالديمقراطية والتعددية، ولكن ليس لأحد أن يعترض على بعض -ولا أقول كل- الممارسات الإقصائية من قبل بعض المنتمين لهذا التيار، ليتهم بالتكفير والطائفية.
نتكلم عن الديمقراطية والتعددية، ونمارس الإقصائية عند أول اختبار. هل هكذا تبنى الأوطان؟
الإيمان بالديمقراطية الانتقائية يعني عدم الإيمان بالديمقراطية كلها، لأن احترام التعددية يفترض احترام حق الرأي المخالف في التعبير عن نفسه، ولا أقول القبول به. والتغيير يأتي عن طريق صناديق الاقتراع. فإذا كانت صناديق الاقتراع وحدها غير كافية لإقامة مجتمع ديمقراطي تعددي، وهي ليست كافية بالفعل، فإن الحل لا يكمن في العودة للأنظمة الشمولية، لأن هذه الأنظمة هي التي هدمت أي فرصة لإقامة مؤسسات تشريعية وقضائية قوية. بل الحل في بناء هذه المؤسسات التي تؤمّن الحماية اللازمة لحقوق مكونات المجتمع كافة. فقط عندئذ تصبح هناك فرصة لإقامة مجتمعات مزدهرة مستقرة، يشعر فيها الناس أن صوتهم مسموع، وأن الدولة موجودة لحمايتهم وليس لحماية المصالح الضيقة للبعض.
حان الوقت لتطوير مفهوم متقدم لديمقراطية تستوعب الجميع، ولمؤسسات تحمي هذه الديمقراطية ممن يحاول التعدي عليها من خارج النظام السياسي. نختلف حول شخصية أردوغان ومواقفه، لكن لا يجب أن نختلف على أن من يقرر وجوده أو عدمه في السلطة هو صندوق الاقتراع، وليس بندقية العسكر. ومن يسمح لنفسه بإقصاء الآخر، يسمح لهذا الآخر بإقصائه. هذه معادلة بسيطة وواضحة، وإن شاء البعض منا تجاهلها لخدمة مصالح آنية ضيقة على حساب مصلحة الوطن على المدى البعيد.
الديمقراطية الانتقائية ليست ديمقراطية. ولن ينجح التياران العلماني والديني في إلغاء الآخر. والحل يكمن في بناء المؤسسات التي تعطي التيارين حق التعبير عن آرائهما من دون ترهيب أو تكفير أو إقصاء، ومن ثم يعطي صندوق الاقتراع كلمته.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »التوافق والتناغم وعدم اقصاء الاخر عنوان الحداثه والعصرنه (د .محمود الحياري)

    الأربعاء 27 تموز / يوليو 2016.
    نشكر معالي مروان المعشر على اضافته القيمه وفيما ذهب اليه ونتفق معه حول نبذ فكرة اقصاء الاخرفي عالمنا المعاصر وان حق التعبير كفله لنا دستورنا الراقي ولا خلاف بان الديمقراطيه الانتقائيه ليست بدمقراطيه وان صندوق الاقتراع له القول الفصل شريطه ان يكون يمواصفات حره نزيهه لاتشوبها شائبه والشكر موصول للغد الغراء لافساح المجال لنا للتواصل مع كتابها ومفكريها المبدعين عبر فضائها الرقمي الحر والله الموفق
  • »كلمة حق (نزار حسين راشد)

    الأربعاء 27 تموز / يوليو 2016.
    "تقول دكتاتورية مرسي ودكتاتورية السيسي" كيف يمكن مقارنة مَنْ قتل أربعة آلاف في يوم واحد في مجزرة بشعة لا مثيل لها في التاريخ ومضى قدما في سجن وتصفية كل المعارضين إسلاميين وغيرهم من كل الأطياف بمن عفى حتى عن سجن خصومه السياسيين حتى بعد أن طالتهم يد القانون لتطاولهم على كل ما تمثله الدولة؟وفتح الباب للمعارضين لا بل توسل إليهم للمشاركة في الحكم وتتهمه بأنه إقصائي؟
    "أفنجعل المسلمين كالمجرمين،ما لكم كيف تحكمون،أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون"قرآن كريم.
  • »"الديمقراطية" (يوسف صافي)

    الأربعاء 27 تموز / يوليو 2016.
    د. مروان اليس كل الذي اسلفت نتاج صراع المعايير التي ادخلت الديمقراطية في متاهة عوضا ان يحتكم الناس لها اصبحت تقاس وفق مصالحهم ورغباتهم ؟؟وما زاد الطين بلّة عدم وجود الهدف الجامع المبني على تشريع منزوع الهوى المصلحي الرغائبي؟؟وها نحن نضيف من خلال عنوان مقالكم لونا جديدا للديمقراطية مما يؤكد ان التغول على المصطلح اصبح يقلّل من معانيها وآثارها والأنكى انها اصبحت جسرا يلج من تحته ستاره الآخرين للتدخل في شؤون الغير لتحقيق اهدافهم ومصالحهم ؟؟ والمحصلّة اصبحت اداة لشرخ المجتمعات وتوالد العنف والكل يرى (صح اوأخطأ) ومن باب الديمقراطية له الحق بعيدا عن الأعراف والمعنى الحقيقي لها؟؟؟وحتى لانطيل ولسهولة الإستدلال تأكيدا على ذلك من خلال وقائع نسردها على سبيل المثال لا الحصر من خلال تصرفات رئيسي اكبر بلد يتغنى بالديمقراطية حتى فاضت تصديرا لدول الغير؟؟؟ بوش الأبن ومن التف حوله من رؤساء الغرب المتصهين وإحتلاله للعراق الشقيق ودمار الشجر والحجر وتشريد البشروكل ذلك من أجل الديمقراطية التي تمخضت وولدت (دستور برايمر سيئ الذكر) سرطانا في جسد العراق الجريح وماترتب عنه من إشعال حرب المصالح القذرة في المنطقة بعد ان البسوها ثوب المذهبية والعرقية والأثنية؟؟ ومن بعده اوباما الناعم (والأفعى ان غيرّت ثوبها لا اعتقد ان سمهّا يصبح حليب نيدو كامل الدسم) وتصريحه صبيحة فوز السيد مرسي (والذي اختلف معه لضيق افقه السياسي عندما تسرّع واستدرج من خلال الديمقراطية قبل نضوج ثمر الربيع العربي) واردف قائلا ان صناديق الإقتراع لا تعني الديمقراطية وهي الديكور الذي اوصله لسدة الرئاسة (المعذرة حيث لايصل رئيس امريكي دون دعم اللوبي الصهيوني) ؟؟ وان جاز لنا الإضافة انظر الى مقالاتك السابقة حول الديمقراطية وإنقلاب السيسي والكثير من الكتّاب والإعلاميين وكبار السياسين تجد ما اسلفت ان الديمقراطية اصبحت اشبه بالطريدة التي تذبح على خشبة سياسة المصالح الضيقّة والحسابات المادية والرغائبية في ظل غياب سياسة الثوابت (حيث كنّا خير امة اخرجت للناس) التي يجري تكسير روافعها حتى اصبحت الأمة قاب قوسين اوأدنى بلا هوية من هول تغول سياسة الغير(من ليس معنا فهو ضدنا) تحت ستار العولمة والحداثة والمصطلحات البراقّة والمنظمات ذات المسميات المزركشه(خليطها السم والدسم)والغير متوائمة على ما نحن عليه من قيم وثقافة وعقيدة ؟؟؟
  • »ضرورة المقدمات لوعي التغيير (emma)

    الأربعاء 27 تموز / يوليو 2016.
    ان النقله النوعية التي نتناولها اليوم في الانتخابات تستوجب حملة توعويه مسبقة ..
    انا استغرب الى الان تهميش دور المدارس في شرح اهمية تمثيلنا كمواطنين من خلال الانتخابات النيابيه
    اصبح الابناء يديرون اباءهم ويوجهونهم هذه حقيقة في تبادل الادوار منذ عقد تقريبا فاذا اردنا ان نصل كل بيت علينا بالمدارس ونشر التوعيه الانتخابيه ومفهوم الترشيح الجديد وعلى ماذا يبنى ودورنا في هذا البرنامج في التطوير والتغيير بعذا نضمن دخولنا لكل بيت ونضمن مشاركة مستقبليه لهؤلاء الشباب ودخولهم بعملية التطوير بل ومساهمتهم فيها ونكون اخذنا بيدهم للتوجه نحو مستقبل نير قد يحقق طموحاتهم من خلال بعض الرؤى التي قد تكون معتمه لديهم.
    بدلك نسارع بعجلة التطوير كفانا نقف في الصفوف الدنيا ونحن نحظى بقائد يشد على ايدينا نحو تغيير للافضل.