أصدقاء يعيشون الحاضر بين الصور القديمة

تم نشره في الأحد 31 تموز / يوليو 2016. 11:00 مـساءً
  • ذكريات الصداقة تبقى حاضرة في الذاكرة للأبد بحلوها ومرها - (أرشيفية)

ربى الرياحي

عمان- تعيش حاضرها بعبثية مطلقة، لا تكترث بتلك التفاصيل اليومية المتجددة التي من شأنها أن تدفعها إلى الأمام، بل تختار أن تقف داخل حدود الصور القديمة المحملة بذكرياتها مع أصدقاء يقاسمونها حبها لمعانقة الماضي، واسترجاع كل الحكايات البريئة المسلية المحرضة حتما على انتزاع لحظة فرح حقيقية قادرة على أن تعيد إليهم الثقة بحاضر ربما يفتقر لكل ما هو حقيقي وبسيط.
تصر هي على أن تكتفي بما لديها من ذكريات ستبقى حاضرة في ذاكرتها للأبد بحلوها ومرها، تستمد منها قوتها وسعادتها التي تعتقد بأنها تقتصر فقط على تلك الصور القديمة الباهتة الرافضة للتغيير، والخروج من ذلك النطاق الضيق الذي أقحمت نفسها فيه باعتباره متنفسها الوحيد للهروب من ضغوطات الحاضر.
وربما أيضا من خيباته المتكررة الموجعة، وتنسى أن عليها أن تستحدث لنفسها صورا أخرى بألوان تبعث على التفاؤل، وتخلق داخل أولئك الأصدقاء رغبة حقيقية بالنظر إلى الحاضر بعين مجردة خالية تماما من الانحياز لذكريات من الممكن جدا أن تأسرهم بماضٍ رحل ولن يعود، استطاع أن يحرمهم من قراءة الحاضر كما ينبغي والانسجام مع تفاصيله المتغيرة التي تطالبهم بأن يبقوا متابعين لها، يترقبون كل ما هو جديد ليتمكنوا من تحقيق طموحات مهمة الأجدر بها أن تترجم فعليا على أرض الواقع لتصنع منهم أشخاصا يعرفون جيدا كيف يوازنون بين ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.
محاولين بذلك الاستفادة من كل مرحلة على حدة، والتأكيد أنهم قادرون على إثراء الحاضر بما تعلموه من ماضيهم حتى يتسنى لهم الدخول إلى المستقبل بثقة تمكنهم من البقاء في قلب الأحداث، والتعاطي معه بروح تؤمن بالتطور، ومواكبة كل ما هو جديد ومتغير حتى لو كان المقابل تحمل المزيد من الأعباء التي ستثقل كاهلهم وتعكر صفو حياتهم.
لذا هم بحاجة إلى أن يفهموا حقيقة تلك الصور القديمة، وصعوبة الانكفاء داخل تفاصيلها المضحكة تارة، والمحزنة تارة أخرى ليستطيعوا على الأقل التحرر من فكرة التناوب على تأمل بعض ملامحها، وإعطائها الفرصة لأن تبقى حاضرة بكل ما تحمله من نجاحات وهزائم وانكسارات.
لكن خوفهم من أن يتغيروا أو حتى يفكروا في التأقلم مع واقعهم المتأرجح بين لحظات الفرح ولحظات الألم يجعلهم يتراجعون عن قرارهم في أن يغادروا تلك المساحة الضيقة، والمعتمة أحيانا لاعتقادهم بأن ذلك سيفقدهم بساطتهم، وسيخلق بينهم الجفاء الذي سيتركهم يواجهون الحياة بمفردهم، بدون أن يكونوا مستعدين لذلك التحول الجذري الباحث، ربما عن كل ما من شأنه أن يربطهم بالحاضر أكثر، ويعطيهم الفرصة لأن يعوضوا ما فاتهم. ويحاولون الإمساك بما تبقى من أحلامهم المتنامية التي ترفض أن تستسلم لعجزهم، ولرغبتهم في التدثر تحت أنقاض الماضي وقوانينه المتعبة إلى حد كبير، المستنزفة لتلك الاستثناءات التي من شأنها أن تنتشلهم من ضعفهم وجهلهم ومعتقداتهم الساذجة المفتقرة لتلك النظرة الثاقبة الواعية، التي تضمن لهم عبوراً آمناً يمكنهم من التخطيط لمستقبلهم من خلال العمل الناضج المدروس المحرض على صياغة أهدافهم المشروعة بدقة.
ومن ثم تنفيذها على أرض الواقع بمعزل عن تلك الصور الباهتة التي ترغمهم على الخضوع لسطوتها بدلا من قراءة الحاضر جيدا. والتعاطي معه بمرونة واقتناع بأن كل ما يريدونه سيتحقق إذا عرفوا كيف ينتقون من ماضيهم، ومن تلك الصور المحفورة في زوايا ذاكرتهم اليائسة خبرات وتجارب من شأنها أن تغني مخزونهم الفكري والثقافي، وتجعل من طموحاتهم حقيقة تأبى التشكيك أو الإنكار.

life@alghad.jo

التعليق