علاء الدين أبو زينة

"شعب" المدعو شوفال..!

تم نشره في الخميس 4 آب / أغسطس 2016. 12:07 صباحاً

يقول سياسي وكاتب مما تدعى "إسرائيل"، في معرض هجومه على قرار السلطة الفلسطينية مقاضاة بريطانيا على "وعد بلفور"، إن القرار "يثير السخرية... نظراً لأنه بما أن التاريخ والقانون لا يقفان إلى جانب الفلسطينيين في صراعهم ضد إسرائيل فإن طريقتهم المفضلة هي تزوير التاريخ ومحاولة زعزعة الصلاحية القانونية للاتفاقات الدولية التي تتناقض مع أهدافهم". ويقول أيضاً: "كان واضحاً للساسة في بريطانيا أن العرب في ذلك الجزء من الإمبراطورية العثمانية المسمى فلسطين لا يوجد لهم، ولن يكون لهم، تاريخ شعب".
بحثت عن "قرعة أبو" المدعو زلمان شوفال، فوجدت أنه مولود في مدينة غدانسك البولندية، وأبوه وُلد في لاتفيا. وبطبيعة الحال، عاش هذا الأفاق البولندي في فلسطين المحتلة باعتبارها وطنه و"وطن أجداده"، ليتقلد مناصب في "الدولة" وليحكي أنه ومشاركيه الذين لكل واحد منهم لسان ولون ومسقط رأس مختلف "شعب"، بينما الفلسطينيون ليسوا شعباً. معه حق. فالقويُّ لا يستحي ويجاهر بصلافته، ما دام يجد مستمعين مستعدين للتصفيق. وأتصوَّر أن المدعو شوفال، سيكون أول من يحمل حقيبته ويرحل من هنا لو طارده الخوف على الأعقاب، وسيعود إلى وطنه بولندا، وربما إلى وطن أبيه وأجداده في لاتفيا.
حسب شوفال، فإن "الهجمة على وعد بلفور ليست المثال الوحيد على استراتيجية التضليل الفلسطينية". و"لكن طرح الادعاءات ضد وعد بلفور، سواء في السياق القانوني أو التاريخي، يتم من أجل إضافة وزن للادعاء بأن إقامة دولة إسرائيل منعت "الشعب" الفلسطيني من الاحتفاظ بأرضه وسيادته ورسالته التاريخية".
وإذن، لم يمنع قيام ما تدعى "إسرائيل"، "الشعب" الفلسطيني (الأقواس حول الشعب دائماً لشوفال) من الاحتفاظ بأرضه وسيادته، وإنما هذا "ادعاء". يعني، أن الفلسطينيين -مع قيام "إسرائيل"- يحتفظون بأرضهم وسيادتهم؟! و"الفلسطينيون يدعون"، لكنه ليس هناك "شعب" فلسطيني. إنهم أي شيء إلا "شعب"، وأخذوا اسمهم من شيء، لأن "العرب في ذلك الجزء من الإمبراطورية العثمانية، المسمى فلسطين"! تناقض محير، لكنه لا يحير الأميركيين والأمم المتحدة وبريطانيا التي احتلت فلسطين وتصرفت بها وبشعبها وكأنهم ملك أبيها.
المفروض، حسب أي تعريف معجمي ومفاهيمي، أن اليهودية هي دين فقط، وليست ولا يمكن أن تكون قومية. أما كيف أصبح الفلسطينيون العرب المتجانسون المقيمون في أرضهم التاريخية ليسوا شعباً، بينما أتباع دين من كل جنس وملة "الشعب اليهودي"، ويجدون مشترين كثيرين لذلك، فمشكلة يُعجز حلها عقل الفلسطينيين. لكن شوفال يفسر: "وكما قال بن غوريون... في 1937، فإن "حقنا في أرض إسرائيل ليس نابعاً من وعد بلفور، بل قبل ذلك بكثير. إنه التوراة التي كتبت باللغة العبرية... هذا هو انتدابنا". هي "التوراة" إذن، يحملها بن غوريون إلى الجمعية الملكية البريطانية، أو الأمم المتحدة، ويعرضها كإثبات إلهي لا يقبل النقاش على "حقنا في أرض إسرائيل".
كاتب آخر، يدعى جوناثان توبين (يهودي أميركي من "الشعب" اليهودي)، يسخر من الخطوة الفلسطينية بخصوص محاكمة وعد بلفور، ويتفق مع زميله شوفال على أن الفلسطينيين وعباس مجانين. ويقول: "ربما يعتقدون (الفلسطينيون) أن محكمة ما في أوروبا التي تزداد معاداة للسامية باطراد قد تحكم حقاً لصالحهم". ويضيف: "ولكن، حتى لو تجاهلنا الحقائق التاريخية (؟)، فإن اللوم الحقيقي عن محنة الفلسطينيين... يجب أن يوجه لقيادتهم... إذا كانوا يسعون إلى تدخل من الأمم المتحدة أو المحاكم الدولية، فذلك فقط لأنهم يرفضون الانخراط في مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين". حقاً؟ ماذا كان قادة الفلسطينيين يفعلون طوال 26 سنة منذ "أوسلو"، وقدموا تنازلات تسود الوجه لشوفال البولندي وتوبين الأميركي عن أكثر من ثلاثة أرباع فلسطين التاريخية قبل أن يأخذوا أي شيء؟
مع ذلك، ربما صدق شوفال البولندي، وتوبين الأميركي، في شيء واحد، هو أن جهد محاكمة بلفور سيكون لا طائل تحته. ولكن، أين هي الخيارات التي تركها الآخرون والقيادة الفلسطينية للفلسطينيين؟ يختتم تقرير حديث لمجلة "الإيكونوميست" حديثاً عن موضوع الخيارات، بالقول: "يؤيد معظم الفلسطينيين، وفقاً لاستطلاعات الرأي، عودة إلى الانتفاضة المسلحة. ومع تركيز العالم العربي على أماكن أخرى، وانشغال أميركا بسباق الرئاسة، وتوقف التقدم نحو حل الدولتين، فإنهم قد لا يرون أيّ وسيلة أخرى لجلب انتباه العالم". وربما لجعل شوفال يتواضع!

التعليق