د.باسم الطويسي

النزاهة واستعادة الثقة العامة

تم نشره في الجمعة 12 آب / أغسطس 2016. 11:07 مـساءً

في لقاء جلالة الملك مع رئيس وأعضاء اللجنة الملكية لتقييم العمل ومتابعة الإنجاز لتعزيز منظومة النزاهة الوطنية، يوم الأربعاء الماضي، برز بوضوح حجم الإرادة السياسية الدافعة نحو تحقق إنجازات فعلية في هذا الملف، وإدراك جلالته لحجم ارتباط ميزان النزاهة بميزان الثقة العامة. علاوة على التشخيص الدقيق لكُنه الأزمات المحلية، وحجم صراع الأجندات المحلية، وتنازع الصلاحيات بين المؤسسات والإدارات في تأزيم الأحداث أحيانا.
لم يشهد الأردن زخما وطنيا وإرادة سياسية عليا دافعة للتقدم في ملف النزاهة واجتثاث الفساد، كما حدث خلال السنوات الخمس الماضية. إذ حصد هذا الزخم تشكيل لجنتين ملكيتين؛ الأولى، كانت مهمتها وضع الميثاق الوطني للنزاهة، والأخرى لمتابعة وتقييم إنجازات الإدارة العامة للخطة التنفيذية، ما جعل حراسة النزاهة خلال هذه الفترة مهمة ملكية. وقد أثمرت هذه المرحلة إنجازات مهمة، أبرزها تراجع الكثير من مظاهر الفساد العام، إذ لم تسجل قضايا كبرى في هذه المرحلة، فيما تحسنت مكانة الأردن على مقاييس النزاهة ومؤشرات الفساد الدولية. كما أفرزت عمليات تطبيق الخطة التنفيذية -رغم أنها لم تكتمل- إلى تطوير العديد من معالم المنظومة القانونية الداعمة لإصلاحات النزاهة وإعادة هيكلة المؤسسات الرقابية الوطنية، ونتج عنها مؤخرا الهيئة الوطنية للنزاهة ومكافحة الفساد، نتيجة دمج دائرة مكافحة الفساد وديوان المظالم، وإعادة بناء فلسفة الدولة في النزاهة وتثبيتها بالنصوص القانونية.
ورغم أن الهيئة الجديدة تتمتع اليوم بأساس تشريعي متين، فإنها تحتاج لدعم في كل شيء؛ بالموارد المالية، والموارد البشرية الكفؤة والخبرات والتدريب وبناء القدرات، وبالشراكات مع مؤسسات وهيئات دولية ومن مجتمعات تملك تقاليد مؤسسية عريقة في إدارة النزاهة، من أجل نقل أفضل الممارسات وتوطينها محليا. وتحتاج إلى مدها بكل أسباب الاستقلالية الفعلية وفرض هيبة وطنية تجعلها أحد رموز الثقة الوطنية.
لا يمكن استعادة الثقة العامة من دون تطوير المساءلة المجتمعية وترشيدها. نحن بحاجة لأن يسأل المجتمع، وأن يتابع الشأن العام. لكن هذه المساءلة تحتاج إلى ترشيد فعلي، يجعلها تخرج من دائرة الاتهامات الجاهزة، والفساد الانطباعي والاشاعات واغتيال الشخصيات العامة، إلى بناء قدرات مجتمعية فعلية بالوعي وبتطوير كفاءة المجتمع المدني والمؤسسات الوسيطة، وفي ترشيد سلوك وسائل الإعلام وبناء قدراتها الاستقصائية، وتطوير مرفق المعلومات العامة وإتاحتها أمام الجميع.
فالنزاهة الوطنية، كما نفهمها من جلالة الملك، تحتاج وضوحا سياسيا وقانونيا لا يكتفي بوعد مرسل إلى المستقبل بأن نكون شرفاء، بل حفر في الماضي القريب لكي يخلق عند الناس قناعة بجدية المسار. والنزاهة تحتاج إلى نظم مساءلة كفؤة وقادرة على محاسبة الكبير والصغير. النزاهة الوطنية يجب أن تصل إلى الناس في مجتمعاتهم المحلية في نماذج القدوة ونماذج الردع في الوقت نفسه؛ وأن تنعكس في السلوك اليومي لقيادات الإدارة العامة في مواقعهم كافة، وتغرس ثقافيا في المناهج التعليمية وفي مضامين وسائل الإعلام.

التعليق