د. جاسم الشمري

حلم الدولة القانونية!

تم نشره في الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2016. 12:04 صباحاً

سبق لأستاذنا الدكتور منير حميد البياتي أن أهدى لي نسخة من كتابه "النظام السياسي الإسلامي مقارناً بالدولة القانونية". وبعد الاطلاع على الكتاب، وجدت أنه من المناسب الحديث عن الدولة القانونية في العراق بعد العام 2003.
في عالم السياسة، تختلف الدول من حيث احترامها للقانون. لذلك، هناك دول قانونية دستورية؛ منضبطة بالقانون والدستور من أعلى المستويات فيها إلى أدناها. وهناك دول بوليسية أو دكتاتورية، يكون الحاكم فيها هو القانون والدستور والنظام. وهناك دول بين هذه وتلك.
والدول القانونية يُعرفها العلماء على أنها تلك الدول التي تخضع فيها جميع الهيئات الحاكمة لقواعد تقيدها وتسمو عليها "سواء من حيث الإدارة أو القضاء أو التشريع، وذلك بعكس الدولة البوليسية". ومن أهم مقومات الدولة القانونية "وجود الدستور، وتدرج القواعد القانونية، وخضوع الإدارة للقانون، والاعتراف بالحقوق والحريات الفردية".
ووجود الدستور يعني "تقييد السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية لأن الدستور هو الذي أنشأها ونظمها وبيّن اختصاصاتها، ولأنها سلطات تابعة للسلطة التأسيسية". أما تدرج القواعد القانونية "فيظهر في سمو بعض القواعد القانونية على بعض، وتبعية بعضها للبعض الآخر، فهي ليست في مرتبة متساوية من حيث القوة والقيمة". فيما خضوع الإدارة للقانون مقتضاه أن الإدارة لا يجوز لها "أن تتخذ إجراءً أو قراراً إدارياً أو عملاً مادياً إلا بمقتضى القانون، وتنفيذاً للقانون". أما الاعتراف بالحقوق والحريات الفردية، فإنه الهدف الأساسي من قيام الدولة القانونية، لأن "نظام الدولة القانونية يهدف إلى حماية الأفراد من عسف السلطات العامة واعتدائها على حقوقهم".
وأهم ضمانات تحقيق الدولة القانونية: "الفصل بين السلطات؛ تنظيم رقابة قضائية؛ تطبيق النظام الديمقراطي".
هذه المقدمة تدفعنا لإثارة السؤال المتكرر: هل في العراق دولة قانونية؟ أظن أنه يمكننا الإجابة على النحو الآتي:
- على الرغم من وجود دستور في البلاد، إلا أن العديد من القرارات والإجراءات تؤكد تجميد العمل به. من ذلك، إقرار "الحشد الشعبي"، والإعدامات السريعة، والاتهامات الجاهزة. فكل ذلك يتناقض مع المواد الدستورية المتعلقة بهيبة الدولة وفصل السلطات وحقوق الإنسان.
- اليوم، هناك أطراف داخل العملية السياسية تراشقت بالاتهامات الواضحة والصريحة، وهم جميعهم ما يزالون في العمل الوظيفي والمناصب السياسية، وكأن ما تحدثوا به ليس اتهامات تستوجب المحاسبة والملاحقة والعقاب! فأين الدور الرقابي للبرلمان، ومن يراقب البرلمان؟
- المزاجية في تطبيق القوانين صارت السمة الأبرز في العديد من قطاعات القضاء العراقي والأجهزة الأمنية، وصار الدفع أو "الهبات" هي السبيل الأوضح لإخلاء سبيل كبار متهمين في داخل الحكومة وخارجها.
- بخصوص الجانب "الديمقراطي"، الذي هو أقوى نكتة ومزحة سمع بها العراقيون، فإن الحديث عن هذا الجانب تكفي بشأنه شهادات المنظمات الدولية والمحلية التي أكدت أن مجمل العملية السياسية تعرضت للتزوير، وأن التضييق مستمر على حرية الإعلام والمواطنين.
- أخيراً، فإن حرية المواطن وحياته وكرامته باتت في مهب الريح. وقبل أيام، ذكرت منظمة "الراصد الحقوقي" أنه -في تموز (يوليو) الماضي- بلغ عدد القتلى 640 قتيلاً، والجرحى 1185 جريحاً، وبلغ عدد المعتقلين 832 معتقلاً!
أما غياب الدولة في الجانب التفاعلي اليومي، فهذا ما لا يمكن إخفاؤه أبداً. ولتأكيد ضمور الدولة القانونية من المشهد الحياتي، أذكر بعض جرائم الأسبوع الماضي فقط: عناصر مليشياوية يقتحمون منزلاً ويسرقون 20 مليون دينار بحي التراث ببغداد؛ هجوم مسلح على يد مسلحين يرتدون الزي العسكري في منطقة "العريفية" ببغداد، قتل فيه ثلاثة أشخاص وأصيب أربعة آخرون بجروح خطيرة؛ اعتداء بقنبلة صوتية محلية الصنع على منزل مسؤول في الشركة العامة للموانئ بمحافظة البصرة؛ العثور على جثة شاب قضى رمياً بالرصاص جنوبي كركوك؛ المليشيات تختطف صاحب مولدة كهرباء أهلية بمنطقة "السيدية" ببغداد؛ مجموعة مليشياوية تغتال صاحب معرض لبيع السيارات وعائلته بهجوم مسلح استهدف منزلهم شمالي بغداد... وغيرها. هذا عدا الانفجارت في العديد من المدن، والتي تحصد حياة العشرات يومياً.
فهل مع هذه الحال توجد دولة، سواء كانت دولة قانونية أم بوليسية؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الدولة المحتلة (نوفل الحسيني)

    الأربعاء 24 آب / أغسطس 2016.
    لم يخبرنا التاريخ بان هناك دولة محتلة يسود فيها القانون بل يسودها قانون الاحتلال الكيفي وقانون العملاء الحاكمين وقانون الغاب والا كيف نفسر على سبيل المثال لا الحصر اعتقال الابرياء لسنين طويلة بدون مذكرة اعتقال ولاتحقيق ولا تقديم للمحاكمة فاين حقوق الانسان في الدستور وهذا التشريد للعوائل يوميا على قدم وساق وحرق دورهم ومحلاتهم وجرف البساتين وعلى مرئ وسمع القاصي والداني ولا من يحرك ساكن فالدستور عندنا اصبح في مهب الريح فلقد اصبح عندنا من المسلمات ان المجرم برئ والبرئ هو المجرم فكم من رشا وانتهاكات واختلاسات وسرقات لموظفين كبار ولا يطالهم القانون وخارج الدستور فلقد اصبح واضحا جدا ومن خلال سير الحياة اليومية ان البرلمان يريد شيء والكتل السياسية تريد شيء والمرجعية تريد امرا اخر والمحكمة تريد شيء ودول الاحتلال المهيمنة على القرار تريد امرا اخر وكل هؤلاء لو احتكموا للدستور لاصبحت الامور على خير ما يرام لكن اتفق الكل بهيمنتهم وسطوتهم على منح الدستور اجازة طويلة وضربوه بعرض الحائط وكل يسير على هواه وهو الحاصل حاليا .... وتحياتي للكاتب المبدع الدكتور جاسم الشمري لاثارته هذا الموضوع ...
  • »سؤال في محله (سعدي الكبيسي)

    الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2016.
    بعد مقالك الرائع وتحليلك المنهجي لمفهوم الدولة القانونية المنظبطة بدستور يرجع اليه الجميع للاحتكام.
    وبين الدولة البوليسية التي ينفرد الحاكم بقراراته وأحكامه وفقا لمصالحه أو مصالح الفئة التي ينتمي اليها.
    ثم ختمت مقالك بسؤال يختصر الحالة العراقية الفريدة من نوعها، كون الحكم فيها يخضع لأمزجة وأهواء الفئة المتسلطة على الحكم، فهي بوليسية من هذا الجانب؛ ولكن النقطة الأهم انه لا وجود لمؤسسات حقيقية يقوم عليها مصطلح الدولة كمفهوم يقوم على أركان وأسس محددة.
    وبالتالي فان : (فهل مع هذه الحال توجد دولة، سواء كانت دولة قانونية أم بوليسية؟)
    بوركت دكتور وبورك قلمك الصادق والى المزيد.
  • »لا قانونبه (ملاك جزائري)

    الثلاثاء 23 آب / أغسطس 2016.
    باختصار ..الدوله بالعراق ..كالطفل المكابر يتظاهر بالقوة والعناد في حين أنه هش..سهل التمادي في ترهيب. .
    الاقنعه ترتدي كراسيه ولا قانونية وسط ركام النزعات والمصالح الشخصيه