"ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب"

تم نشره في الجمعة 26 آب / أغسطس 2016. 12:10 صباحاً

أ. د. محمد خازر المجالي

نعيش أيام الحج المباركة، إذ يستعد كثيرون للمغادرة لأداء فريضة الحج، حيث لقاء المسلمين الأكبر، وليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معدودات، وليعش المسلم ذكريات أجيال مضت، وأمم سبقت؛ يرتبط الحاضر بالماضي لأن المسلمين عبر التاريخ أمة واحدة، والرب واحد، ومصيرنا في الرجوع إليه واحد، ولكننا نفترق عند الحساب، فمنا شقيّ ومنا سعيد، كلٌ وما قدم في حياته.
لفتة في غاية الروعة والأهمية، جاءت في سورة الحج، حيث بعض أحكام الحج وأهميته وشعائره. وينبه الله على أهمية تعظيم شعائر الله عموما هنا في آيات الحج؛ من هدي، وذكر لله، واجتناب الرجس وقول الزور. يريدنا حنفاء له غير مشركين، تلهج ألسنتنا وتخضع جوارحنا له تعالى، تعظيما لما شرع، وانقيادا لما أمر، فهو الخالق والمشرِّع والأعلم بما يصلح للناس، العليم الخبير الحكيم سبحانه، وما علينا إلا أن نعظم شعائر الله، فهذا دليل على تقوى القلوب.
هو الحج، ركن الإسلام الخامس الذي جعله الله في العمر مرة، لمن استطاع؛ مؤتمر المسلمين الأعظم، الرحلة إلى الله، التعارف بين المسلمين، والتعرف على بعض آيات الله تعالى في خلقه. ألسنة وألوان وأصول مختلفة، تجتمع في مكان واحد، همّها واحد، وذكرها ولباسها وأملها واحد، تستشعر الرحيل إلى الله تعالى، والوقوف بين يديه، والمساواة التي ينبغي أن تكون في الحقوق والواجبات، والأخوة والتعاون، والتضحية التي هي على المحك، والصبر الذي هو نصف الإيمان، وغير ذلك كثير مما ينبغي الانتباه إليه والعناية به، في هذا الركن العظيم.
لا بد من تعظيم شعائر الله تعالى كلها ولا نستهين بها تصورا وعملا: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ..." (الأحزاب، الآية 36)؛ "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ..." (الحجرات، الآية 1). ومفهوم الآيتين على العموم، هو الانقياد والاستسلام وعدم المراجعة والتكاسل والتحايل فيما أمر الله به. وهذا فيصل بين المؤمن الحقيقي العارف بالله تعالى، وبين المتردد المتثاقل، فضلا عن المنكر الجاحد.
فالأصل في شعائر الله عموما، وهي العبادات على وجه التخصيص، أن تُعظَّم ويُعتنى بها. فهي أركان، والبناء بلا أركان لا يقوم، ولا يمكن لنا أن نكون مسلمين حقا من دون أدائها، بل بإعطائها الاهتمام كله. ولذلك، نجد القرآن يعظم من شأن الصلاة والزكاة والصيام والحج؛ الأعمال الرئيسة إضافة إلى الخضوع والعبادة بالمفهوم الشامل. إذ تفيد شهادة التوحيد أن لا معبود بحق إلا الله تعالى، فلا إله غيره ولا رب سواه، وأن محمدا عبده ورسوله، تلقى هذه الرسالة منه سبحانه، أيده بالمعجزة الخالدة، فلا حجة للناس على الله بعد الرسل.
تعظيم شعائر الله من علامات التقوى. والتقوى أمر بين العبد وربه، ولكن آثارها لا شك بادية على الإنسان. فتقوى القلوب تشرح الصدور، وتبث الطمأنينة، وتهدئ الروع، وتهذب السلوك، وترتقي بالإنسان، لأن القلب معلق بالله تعالى خوفا ورجاء، حبا ورضا، معرفة وتعظيما، فكيف لا يكون صاحبها متميزا.
حين يصل أحدنا إلى درجة التقوى، وهو بلا شك قد أحسن العمل، فهنا تكون الولاية لله تعالى: "أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ" (يونس، الآيتان 62 و63). فالولي بتعريف القرآن هو المؤمن التقي، ولكن أي إيمان وأي تقوى؟ إنه الذي يحبه الله ويرضاه، وفق معايير الشرع لا وفق أهوائنا؛ فكم من مدع للولاية والصلاح وهو أبعد الناس عن الله. فالعبرة هي في تعظيم أمره سبحانه، والانصياع لما أمر والبعد عما نهى. ولا يُعبَد الله إلا بما شرع، مما بينه تعالى في كتابه أو رسولُه في سنته، صلى الله عليه وسلم.
من روعة هذا الدين أن أصوله وتفاصيله مبينة محفوظة، ومجالات الإبداع والتفوق كثيرة متنوعة حسب ميول الإنسان. ولكن الأصل هو هذه الأركان وتعظيم شعائر الله، حينها نلتقي على الله، إخوة متحابين عارفين لحقوق بعضنا، سواء مع أنفسنا نحن المسلمين، أو مع غيرنا مما شرعه الله أيضا. ونعلم علم اليقين أن ما تركه الشرع من دون تفصيل في القرآن أو السُنّة فهو ليس نسيانا، بل رحمة من الله تعالى؛ إذ ترك عن قصد لأنه من المتغيرات، وأهل الاختصاص هم الأدرى بالمصلحة فيه، حيث يجتهدون وفق ضوابط الإسلام العامة وقواعده الأصولية في الاستنباط والتكييف حسب مصالح الناس العامة.
هذا دين أكمله الله وأتم به النعمة ورضيه لنا: "... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا..." (المائدة، الآية 3). ومن هنا نتوقع من الناس أن يحسدونا عليه ويجتهدوا في إقصائنا عنه، ولهذا قال الله قبل تلك الجمل الرائعة: "... الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ..." (المائدة، الآية 3). ويأسهم هذا سيقودهم حتما لبذل كل الجهود من أجل إبعادنا عن ديننا، والمطلوب فهم وحذر وعمل.
الفهم لأننا نعاني هذه الأيام من نقصانه؛ نعبده تعالى على جهل، ونسير في حياتنا مكبين على وجوهنا تقليدا وابتداعا بلا أدنى وازع ولا أي تذكر لضرورة الانقياد لما أمر الله به من تعظيم لشعائر الله تعالى. ومن تعظيمها فهمها وأداؤها كما يجب.
أما الحذر، فمطلوب لأن الله أمر به: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ..." (النساء، الآية 71). والآية وإن كانت في الحروب -ولذلك قال بعدها: "فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا"، وسياق الآيات يدل عليه- إلا أن الحذر مطلوب عموما؛ في شؤوننا الحياتية العادية، وعلاقاتنا، ومن الشيطان وأعوانه، فما أسهل أن نقع في شراكه. ولا يجوز للحذر أن يصل بأحدنا إلى مرحلة الجبن، أو الوسوسة، فتنقلب حياته جحيما، بل كل شيء بميزان الشرع.
أما العمل، فهو علامة الإيمان. فليس الإيمان بالتمني، بل لا بد من الانطلاق ومغادرة مربع التنظير. إذ يحسن أحدنا كثيرا أن ينظِّر ويوجه، ولكنه عند التنفيذ متكاسل متأفف متقاعس، وصف الله هؤلاء أحيانا بالمتثاقلين: "... مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ..." (التوبة، الآية 38)، وأحيانا بالمعوِّقين: "قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلا" (الأحزاب، الآية 18).
فلنكن أصحاب همم وبصيرة وثقة بالله، معظمين لشعائره متقين له.

التعليق