فينيسيا 2016: التحليق في أرض الأحلام بعد زلزال الواقع

تم نشره في الخميس 1 أيلول / سبتمبر 2016. 11:00 مـساءً

لندن- مهرجان فينيسيا السينمائي، أعرق مهرجان سينمائي في العالم، يفتتح فعالياته بعرض فيلم موسيقي استعراضي أميركي مفعم بالحياة على الرغم من الزلزال الذي أصاب ايكاليا وخلف نحو 300 قتيل.
افتتحت ايطاليا، التي تلملم جراح الزلزال الذي أصابها الأسبوع الماضي وأودى بحياة نحو 300 شخص، مهرجانها السينمائي الأعرق في العالم، مهرجان فينيسيا في دورته الـ73، بفيلم موسيقي استعراضي مفعم بالحياة يدور في أجواء رومانسية وحلمية، لتؤكد أن الحياة يجب أن تستمر ولتبرز أمام قساوة الواقع جمالية الحلم وعذوبة الفن.
هذه العودة الى السينما بوصفها أرض الأحلام، قادت المدير الفني للمهرجان البرتو باربيرا الى الذهاب الى مصانع الأحلام (ستوديوهات هوليوود)، ليمنح هذا العام حصة الأسد من أفلام المسابقة الرسمية لأفلام أنتجتها الولايات المتحدة أو اشتركت في إنتاجها، فكانت حصتها ثمانية أفلام داخل المسابقة، من بينها فيلم "الافتتاح"، ونحو 28 فيلما في عموم تظاهرات المهرجان.
وربما شكلت هذه الدورة لديه محاولة للاختلاف عن مهرجانات السينما الأخرى التي تهتم في الغالب بالسينمات المختلفة عن التيار الهوليوودي السائد في أوروبا وفي العالم، وعن المهرجان المنافس الأبرز كان الذي احتفى بواقعية السينما ومنح سعفته الذهبية هذا العام لأحد أبرز رموز النهج الواقعي في السينما المخرج البريطاني كين لوتش.
وفي خطوة غير مسبوقة، اختار باربيرا المخرج الأميركي الشاب دَميان تشازل وهو في مطلع عقده الثالث (مواليد 1985)، في فيلمه الثالث "لا لا لاند" أو أرض الأحلام، ليكون فيلم افتتاح هذه الدورة.
سر الالتفات الى تشازل كان نجاحه في أن يضع نفسه بقوة وبروح شبابية وثابتة في سياق تقليد و(جنرة) سينمائية عريقة هي الأفلام الموسيقية الاستعراضية (Musicals) وتحديدا ما يمكن أن نسميها "أفلام الجاز"، في إشارة إلى الأفلام التي استلهمت موسيقى الجاز مادة لها، كتلك التي قدمت حياة موسيقييها ومشاهيرها أو نقلت الى الشاشة أعمالا مسرحية استعراضية في هذا السياق أو جعلت أجواءها ونواديها خلفية فعل درامي فيها، أو تلك التي استخدمت موسيقاها وأغانيها في سياق موسيقاها التصويرية.
في "لا لا لاند"، يخرج تشازل الى أفق جديد في سياق موضوعيه المفضلين الجاز والسينما، فإذا كان قدمها في سياق واقعي أقرب الى سينما الحقيقة في فيلمه الأول، وفي سياق يقترب من الدراما السيكولوجية في فيلمه الثاني، يعود هذه المرة الى قالب الفيلم الموسيقي الاستعراضي الخالص، مع مزواجة بين الحلم والواقع في سياق حكاية رومانسية تستعيد الكثير من أجواء هذه الأفلام في عصرها الذهبي في الأربعينيات والخمسينيات، ولا ننسى أن نوجه تحية لتطور هذه (الجنرة) أوروبيا أيضا في الستينيات والسبعينيات، في لمسات ينثرها هنا أو هناك في فيلمه كتلك الاحالات الى افلام المخرج الفرنسي جاك ديمي الموسيقية.
في الدفاع عن ذلك، قال تشازل في المؤتمر الصحفي الذي أعقب العرض "نحتاج الآن الى الأمل والرومانسية على الشاشة أكثر من أي وقت مضى، وأعتقد أن ثمة شيئا ما في الأعمال الاستعراضية، السينما وحدها قادرة على تجسيده".
ويرى تشازل "أن السينما بوصفها أرض الأحلام، وبوصفها لغة أحلامنا أو طريقة التعبير عن عالم يمكن أن ندخل فيه في أغنية يمكن أن تتجاوز عواطفها قوانين الواقع"، بحسب تعبيره.
لا شك أن تشازل قدم في "لا لا لاند" فيلما موسيقيا استعراضيا ناجحا بكل المقاييس، مبهجا ومفعما بالحيوية، لكننا لا نستطيع أن نضعه في مصاف التحف البارزة في هذا السياق، التي لمح اليها واستعار الكثير من مفرداتها، وبعد النجاح الذي حققه في "ويبلاش" نراه يدور في الحلقة نفسها في محاولة إعادة استثمار عناصر نجاحه (موسيقى الجاز والدراما الموسيقية) فنراه مثلا يعطي دورا للممثل جي كي سيمنز، بدا هامشيا وباهتا يعيد التذكير بدوره كمعلم الموسيقى الصارم في الفيلم السابق، فهو بدور صاحب ناد صارم أيضا في الفيلم الجديد ولكن بدون هالة الأداء الناجح في الفيلم الأول.
ونراه يسرف في الحوارات في الدفاع عن نهجه في استلهام موسيقى الجاز على لسان بطله العاشق لهذه الموسيقى، وفي أحد المشاهد يعمد الى تقديم أداء لفرقة جاز بالتوازي مع شرح بطله لهذه الموسيقى؛ حيث تتصاعد الموسيقى مع تصاعد حدة انفعاله، ويستعرض العازفين في أداء منفرد مع تلوينات شرحه.
يرى تشازل "السينما بوصفها أرض الأحلام، وبوصفها لغة أحلامنا أو طريقة التعبير عن عالم يمكن أن ندخل فيه في أغنية يمكن أن تتجاوز عواطفها قوانين الواقع".
وإذا كانت هذه الثنائية؛ الحلم والواقع، جددت الحياة لخلطة تشازل في المزاوجة بين موسيقى الجاز والسينما، علينا إذن انتظار فيلمه الجديد لنرى هل استهلك كل عناصر وصفته تلك أم ما يزال قادرا على رفدها بعناصر تعبيرية جديدة، في انتظار ذلك، نقول "كانت أرض أحلامه مشرقة ومبهجة وممتعة بالتأكيد". - (بي بي سي)

التعليق