كلٌّ يدّعي وصلاً بـ"ليلى"، فهل تقرّ لهم بذاكا؟

تم نشره في الجمعة 2 أيلول / سبتمبر 2016. 12:00 صباحاً

د. نارت قاخون

"ليلى" التي أتحدّث عنها ليست "المرأة" معشوقة الشعراء التي يدّعون حبّها ووصلها، بل هي "أسماء" و"مفاهيم" و"ألقاب" صنعتها خبرتنا اللغويّة في سيرورتها، وهي خبرة تدين أكثر ما تدين إلى "سوء التفاهم"، فما الخبرة البشريّة لغة وفكراً وديناً وسياسة إلا رحلة طويلة صراعيّة من "سوء التفاهم"؛ فبقدر ما كانت "اللغة" وما تحمله من استراتيجيّات "التسمية" وسيلة "للتفاهم والتواطؤ"، كانت وسيلة لـ"التضليل" و"الاختلاف" و"التنازع" بفعل التوظيف السياسيّ والصراعيّ الذي يحوّل "الأسماء" من "قيمة معرفيّة" إلى أسماء ذات قيمة "أيقونيّة" مُحمَّلة برمزيّة وأسطوريّة عالية ليست مهمتها أن تصف بل أن تصنِّف، فتُكسب المسمّى بها قيمة مضافة تتحوّل مع الزمن إلى هويّة ثقافيّة ودينيّة وسياسيّة لا يُمكن تعريف الأفراد والجماعات والاتّجاهات خارج الانتساب إليها أو الحرمان منها.
ومن أمثلة هذا التدافع في الأسماء والألقاب والمصطلحات في خبرتنا المسلمة، مصطلحا "السُنّة" و"الشيعة"؛ فهما في أصل الدّلالة اللغويّة يحملان القوّة الجامعة التي يُمكن أن تجمع أهل الإسلام جميعاً؛ فـ"السنّة" هي الطريقة التي أرادها الله، أو النهج الإلهيّ الثابت الذي يعمل بوصفه قانوناً لن نجد له تبديلاً وتحويلاً، وهذا مفهوم "السنّة" في القرآن الذي لم يأتِ إلا مضافاً لله: "سنّة الله"، ثمّ تحوّل ليدلّ على النهج المحمّدي النبويّ، فصار مضافاً إلى النبوّة: "السنّة النبويّة". وبغض النّظر عن الموقف من هذا التحوّل، فإنّ مفهوم "السنّة" لا يزال في هذا الطور حاملاً للقوّة الجامعة ولو على المستوى النّظريّ، فإنّ المنتسبين للإسلام يقرّون بانتسابهم للنهج النبويّ.
وكذلك الحال مع مصطلح "الشيعة"؛ فالشيعة هم الأنصار والأتباع، وليس فيمن ينتسب للإسلام إلا ويرى نفسه من أنصار النبيّ الكريم وأتباعه. ولكنّ مصطلح "الشيعة" لم ينشأ ابتداء لهذا الوصف الجامع، بل كان وصفاً "تمييزيّاً" يميّز "شيعة عليّ"، أي أنصاره وأتباعه بعد الخلاف السياسيّ الذي بلغ حدّ "الفتنة الكبرى" في بواكير الخبرة المسلمة، ولكنّ التشيّع لعليّ على مخالفيه السياسيّين تحوّل أوّلاً لتشيّع للنّبيّ وأهله، ثمّ بفعل الأيقنة والأسطرة تحوّل إلى طريقة مخصوصة ومذهب بعينه في الانتصار والاتّباع و"فهم الدّين"، ليكون مفهوم "السنّة" كذلك طريقة مخصوصة ومذاهب بعينها في الانتّصار والاتّباع و"فهم الدّين"، ليصبح المصطلحان قوّة مانعة فارقة مُميّزة لا قوّة جامعة.
وتتابع الصراع داخليّاً بين المنتسبين لهذين الاسمين، حتى صار مفهوم "أهل السنّة والجماعة" مثلاً مفهوماً صراعيّاً تسعى فئة جزئيّة من فئة جزئيّة من اتّجاه جزئيّ إلى "احتكاره" لنفسها دون بقيّة المسلمين!
ورغم سياسيّة هذا الصراع وتدافعيّته في الخبرة المسلمة، فإنّنا نجد أنّ هذا الصراع خفت نسبيّاً لصالح أسماء ومفاهيم أخرى فرضتها السيرورة التاريخيّة للخبرة المسلمة حين اشتبكت مع الخبرة الغربيّة الأوروبيّة، فلم يعد الصِّراع على الانتساب لـ"أهل السنّة والجماعة" إلا صراع فئات تنتمي لهذه المذاهب الضيّقة، وتعيش زمن نشأتها وتدافعها وصيرورتها "القديم" المؤذِن بزوال وانتهاء، مصرّة على أنّ معارك اليوم هي معارك "مشايخهم" الذين واراهم التراب منذ قرون!
منذ نحو قرن من الزمان دخلت أسماء ومفاهيم جديدة حقل التدافع والصّراع على "شرف الأسماء والأوصاف" من مثل: "الإصلاح" و"التجديد" و"التنوير" و"العقل" و"العلم" و"الإسلام" نفسه! فصار الصراع على أحقيّة وصف الاتّجاهات والأفكار بإضافة "ياء النسبة المشدّدة" إليها، وأصبح كلّ اتّجاه يدّعي وصلاً بهذه المفاهيم والأسماء بوصفه الممثِّل الشرعيّ و"الوحيد" لها. وقد رافق هذه الصراعيّة الإسميّة أخطاء منهجيّة منها:
 - تحويل الأسماء ذات الدلالة الجامعة إلى أسماء تحيّزيّة تصبح موضع جدل ودعوى انتساب تقابلها دعوى اتّهام، وأظهر الأمثلة على ذلك مصطلح "الإسلاميّ"؛ فـ"الإسلاميّ" و"الإسلاميّة" كانت أسماء غايتها أن تميّز بين المسلمين وغير المسلمين من أهل الأديان الأخرى، فنجد "الأشعريّ" يصنّف كتابه "مقالات الإسلاميّين" ناسباً الفرق كلّها التي ظهرت حتى زمانه إلى "الإسلام" معلّلاً أنّ "اسم الإسلام" يجمعهم ويشتمل عليهم، مع أنّه أورد مقالات لفرق لن يتأخّر اللاحقون ولا كثير من أهل الفتوى في زماننا عن "تكفيرهم" ونزع "اسم الإسلام" عنهم. ولكنّ هذه الدلالة لمفهوم "الإسلاميّ" تحوّلت بفعل التدافع والتجاذب مع مناهج تنتسب للغرب صراحة أو تلميحاً إلى صفة خاصة تستأثر بها اتجاهات لها "طموحات سياسيّة"، وتستعمله لتمييز نفسها عن مشروعات وطموحات سياسيّة مقابلة، فأصبحت "الإسلاميّة" و"الحركات الإسلاميّة" وصفاً لمقابلة "القوميّة" مرّة، ومقابلة "الوطنيّة" مرّة أخرى، ومواجهة "العلمانيّة" أو أيّ انتساب لمرجعيّة تدين بنشوئها إلى الاقتراض من سياق الخبرة الغربيّة، فصارت "الإسلاميّة" بما توحيه ضمناً من مقابلها: "غير إسلاميّة" إحدى أهمّ مفاصل الصراع والتدافع "الاسميّ" بين الاتّجاهات المختلفة في سياق تجربتنا العربيّة المسلمة الآنيّة.
 - امتازت أغلب الاتّجاهات التي تتصارع على شرف الأسماء والمفاهيم سواء مَن كان يستمدّ اسمه من أدبيّات الخبرة المسلمة أم أدبيّات الخبرة الغربيّة بالنّظر إلى هذه الأسماء والمفاهيم بوصفها معطيّات "جوهريّة أيقونيّة أسطوريّة" ثابتة وقارّة تنشأ وتحيا "فوق التاريخ"، فأمست مفاهيم مثل "الإسلاميّة" و"التنويريّة" و"الإصلاحيّة" و"العقلانيّة" و"العَلمانيّة" و"القوميّة" أسماء "مقدّسة" عند مَن يتبنّاها، لا يُدرك مدى سيولة دلالاتها، ولا يعترف بتحوّلاتها، ولا يراعي تجدّدها وتحوّلها في سياق سيرورتها، بل لا يقرّ بزوال مفعول بعضها وانتهاء صلاحيّتها عند مَن أنشأها فضلاً عن غياب عوامل تبييئها في سياقنا ابتداءً!
 - إغفال العوامل السياقيّة من تاريخيّة وسياسيّة واقتصاديّة ومجتمعيّة التي كان لها دور كبير في نشأة هذه المفاهيم وإمكانيّة اشتغالها بالتأثير والتغيير، فهيمنت فكرة أنّ ادّعاء هذه الأسماء وإعادة إنتاج مقالات مَن قال بها في سياق تاريخنا القديم، أو تاريخ غيرنا الحديث يكفي لتصبح هذه الأسماء والمفاهيم فاعلة عاملة! فآل واقعنا إلى أن نسمع جعجعة ولا نرى طحناً، فيصحّ أن يُقال: "ما أكثر "التنويريّين"! وما أقلّ "التنوير"! ثمّ ضع بين المزدوجتين ما تشاء من الأسماء!
 - نتيجة استبداد "سحر الأسماء" على المزاج الجمعيّ أصبحت غاية كلّ فئة أن تثبت حقّ ادّعائها لهذه الأسماء حصراً وقصراً، وبيان "كذب" الآخرين وتوظيفهم الاستغلاليّ لهذه الأسماء، فظهرت في كتابة بعض المثقّفين ثنائيّة النسبة: "إسلاميّ: إسلامويّ"، و"قوميّ: قومويّ" مثلاً، لتكون "الواو" الزائدة في النسبة "واو الكذب والادّعاء"، مع أنّ هذه "الواو" تستخدم أيضاً مقابل اللاحقة اللاتينيّة "ism" التي تميّز بين الموقف المعرفيّ والموقف الأيديولوجيّ الذي يجعل "الفكرة" مذهباً أقرب للدّين يُدافع ويُنافح عنه، ومثال ذلك "العلمويّة" و"العلمانويّة" اللتان تجعلان "العلم" و"العلمانيّة" أشبه بمذاهب دينيّة أيديولوجيّة تحلّ محلّ أديانٍ ومذاهب أخرى، ولكن بالأمراض "العصابيّة النفسيّة" نفسها.
لم تستطع الخبرة العربيّة المسلمة أن تتجاوز فوضى الأسماء والمصطلحات من جهة، ولم تستطع الانتقال من "دائرة الأسماء" إلى "دائرة المضامين" وفضاء الآثار والنتائج من جهة أخرى، وهذه ليست إلا بعض أعراض "الاغتراب المركّب" الذي تعيشه الثقافة العربيّة المسلمة التي تجد نفسها في عالم تسوده قيَم حضاريّة وثقافيّة لم تشارك في صناعتها، ولكنّها مضطرة للانخراط في التدافع التاريخيّ والجغرافيّ معها، ونتيجة فقر المنجز الحضاريّ الذاتيّ الآنيّ ما كان منها إلا أن لجأت إلى سياقين حضاريّين؛ موروث "الذّات" التاريخيّة، ومُنجز "الآخر" الآنيّ، فوقعت ضحية "اغترابين"؛ اغتراب تاريخيّ، واغتراب جغرافيّ، ماضي الأجداد، وحاضر الآخرين.
وكانت النتيجة المباشرة لهذا الاغتراب المركّب كما يرى "داريوش شايجان"، أنّ ما تُنتجه هذه الحضارة المأزومة من فكرٍ هو "فكرٌ بلا موضوع"، وما تُبدعه من فنٍّ هو "فنٌ بلا محلّ"، وفقدت الطبقة المثقّفة الانتماء الحقيقيّ لأيّ من الملجأين اللذين لجأت إليهما؛ فلا هي سليلة "الحكمة الإسلاميّة" ولا سليلة "الفلسفة الغربيّة"، وهكذا صارت غاية الغايات أن نتصارع على "أسماء لا محلّ لها من الواقع"، ولم يعد جواب سؤال التنافس على ادّعاء الوصل بـ"ليلى": هل تقرّ لنا بذاك أم لا؟ بل هل هي موجودة في حياتنا أم لا وجود لها أصلاً؟!

التعليق