سياسة ترامب الخارجية الداعمة لـ"داعش"

تم نشره في الجمعة 2 أيلول / سبتمبر 2016. 12:00 صباحاً

فواز جرجس*

لندن- كان ادعاء دونالد ترامب في الآونة الأخيرة أن منافسته في السباق الرئاسي الأميركي، وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، والرئيس الأميركي باراك أوباما أسسا ما يسمى "داعش" هراءً محضاً. وهو أيضاً شيء مضحك: إذا كان أي شخص في الولايات المتحدة ساعد تنظيم "داعش" حقاً، فهو ترامب.
في خطابه الأخير حول السياسة الخارجية، قدم المرشح الرئاسي للحزب الجمهوري خطته المفترضة للقضاء على تنظيم "داعش" بأسلوب ترامب الكلاسيكي، المليء بالتناقضات والتقلبات، بدون إعطاء تفاصيل ولا حقائق. في حين تقدم بتوصيات غير قابلة للتطبيق مطلقاً -مثل جعل المهاجرين من الدول الإسلامية يجتازون فحصاً إيديولوجياً قبل دخول الولايات المتحدة- وحاول أن يقدم نفسه على أنه واقعي، والشخص الوحيد الذي يمكن أن يُنقذ السياسة الخارجية الأميركية.
من المميزات المركزية لنهج ترامب "الواقعي" استخدام القوة العسكرية في سورية أكثر بكثير مما تقوم به إدارة أوباما. وأعلن ترامب أن هذا النهج من شأنه "سحق وتدمير" تنظيم "داعش". وفي الواقع، سيكون من شأن مثل هذا التدخل العسكري أن يصب الزيت على النار فحسب.
بطبيعة الحال، لا يفهم ترامب ذلك. وعلى الرغم من تصريحاته الغريبة بأنه يعرف عن "داعش" أكثر من جنرالات أميركا، فإنه يجهل تماماً الديناميكيات المعقدة في الشرق الأوسط والتخندق الطائفي والحروب الإقليمية والدولية في المنطقة. وكما تُظهر مزاعمه حول كلينتون وأوباما، فهو يجهل كيف أو من أين برز "داعش".
إن تنظيم "داعش" هو نتيجة صراع داخل الإسلام، وليس بين الإسلام والغرب. وهذا لا يعني أن السياسة الخارجية الغربية -خاصة الأميركية- لم تلعب دوراً رئيسياً في صعود تنظيم القاعدة في العراق. فقد مزق غزو العراق في العام 2003 بقيادة الولايات المتحدة المجتمع العراقي الهش أصلاً، ودمر مؤسساته المحلية، بما في ذلك الجيش وحزب البعث الحاكم، وأطلق العنان لعنف الصراع الطائفي على السلطة. كما فتح الغزو المجال للجماعات الجهادية -أولاً تنظيم القاعدة في العراق، والآن "داعش"، التي هي امتداد  لتنظيم القاعدة، وإنما بجهاز عسكري أكثر فعالية يقوده ضباط الجيش العراقي السابق.
وحدث شيء مماثل في سورية، بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية في العام 2011 ضد نظام الأقلية لبشار الأسد. ونزل السوريون إلى الشوارع، وقد تأثّروا بالحراك الثوري في تونس ومصر، مطالبين بمزيد من الحرية والعدالة والتمثيل السياسي في الحكومة.
لكن الأسد، الذي يتمتع بدعم إيران القوي، رفض التراجع، وحاول قمع الانتفاضة بالقوة الوحشية. وصارت سورية مسرحاً للحرب الأهلية التي دمرت مؤسسات الدولة وعمقت الصراع المذهبي. وانتهز الجهاديون الإسلاميون السنة الفرصة لتقوية صفوفهم من خلال استقطاب وتجنيد الشباب الغاضب واليائس، أغلبهم من المناطق الريفية.
وفي استغلال لهذا الانقسام العميق بين السنة والشيعة، برز قادة "داعش" كمدافعين عن جميع المسلمين الحقيقيين ضد أعداء الإسلام الإيديولوجيين والدينيين، بما في ذلك الغرب. ويبدو أن ترامب قد سقط فريسة لهذا الخطاب.
ظناً منه أن الحرب ضد "داعش" هي صراع إيديولوجي بين "الإسلام المتطرف" والغرب، على غرار الحرب الباردة، يختزل ترامب أزمة معقدة في سرد ثنائي. بل إنه يردد الأطروحة نفسها التي يستخدمها جهاديو ما يسمى "داعش" لكسب الدعم. ولا غرابة أن المواطنين المسلمين، الذين يرفضون بكل صدق إيديولوجية "داعش" العدمية، يدينون خطاب ترامب التبسيطي الذي يغذي الخوف من الإسلام. ولكن، بالنسبة لأبو بكر البغدادي، أمير "داعش" المُعين ذاتياً، ورفاقه، فإن أفكار ترامب بمثابة موسيقى لآذانهم.
ما يزيد الأمور سوءا هو مقارنة ترامب لمكافحة "داعش" بالمعركة ضد الاتحاد السوفياتي، الشيء الذي يرفع من مكانة التنظيم كمنظمة إرهابية إلى مستوى قوة عظمى. ويسهم هذا في خلق التصورات التي توحي بأن "داعش" أكثر فعالية بكثير مما هو عليه في الواقع، متبنياً مرة أخرى الأطروحة الداعشية.
وأعرب ترامب أيضاً عن رغبته في التعاون مع روسيا للقضاء على "داعش"، غافلاً على ما يبدو عن أن مشاركة روسيا في سورية تهدف إلى دعم نظام الأسد أساساً. ويمكن لهذه الشراكة أن تدفع ترامب إلى عقد صفقة مع إيران، التي هي على استعداد لمحاربة المتطرفين السنة في العراق وسورية. وقد سمحت إيران الآن لقاذفات روسية بعيدة المدى باستخدام إحدى قواعدها الجوية لضرب سورية، مما عقد جهود أوباما المضنية للتوصل إلى تفاهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أجل إنهاء الحرب الأهلية. كما عبر ترامب عن استعداده للتعاون مع الأسد لهزيمة "داعش".
تثير الجهود التي تبذلها الجهات الخارجية الفاعلة للحفاظ على الأسد في السلطة حفيظة العديد من السوريين وغيرهم من المسلمين السنة، مما يصُب في صالح قادة "داعش". وإذا بدأت الولايات المتحدة في إقامة علاقات تعاون أوثق مع الدول الرائدة في المنطقة (روسيا وإيران والصين الآن، التي بدأت تُدرب القوات السورية)، فإن الوضع سيزداد تدهوراً، وسيكون من شأن هذا الإجراء تقويض علاقات أميركا مع حلفائها وشركائها في الشرق الأوسط.
لقد حان الوقت لأن تستجيب الولايات المتحدة لآمال وتطلعات الشباب المسلم الذي يحلم بمستقبل أفضل. ويتطلب ذلك استثماراً دبلوماسياً واجتماعياً كبيراً من جانب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي للمساعدة في إخماد الحرائق المشتعلة والحروب الأهلية الطاحنة في العالم العربي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة المترهلة، وإقامة حكومات وحدة وطنية.
لعل آخر ما تحتاجه منطقة الشرق الأوسط هو تكرار الأخطاء الكارثية للسياسة الخارجية الأميركية هناك. وهذا بالضبط ما يعتزم ترامب القيام به إذا وصل إلى البيت الأبيض.

*أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، ومؤلف "داعش": تأريخ".
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق