التكنولوجيا لتعزيز الصحة العامة

تم نشره في الثلاثاء 6 أيلول / سبتمبر 2016. 12:00 صباحاً

أدريان بريدجووتر

تشهد التكنولوجيا في مجال الصحة تطوراً مستمراً منذ ربع قرن. وليس ظهور شبكة الإنترنت وانتشارها الواسع خلال الفترة نفسها بالصدفة العشوائية، بل نتجت الكثير من التطورات في مجال الرعاية الصحية عن عنصرٍ جوهري له علاقة وثيقة بالإنترنت.
من الناحية العلمية المحضة، لم تكن العلوم العصبية الحسابية لترى النور كعلوم تدرس وظائف الدماغ، لولا علم الحاسوب. وتطورت المقاربة المتبعة في دراسات الجينوم بشكلٍ كبير بفضل المنجزات المُحققة عبر الحاسوب. ناهيك عن أن مجموعة واسعة من تقنيات التصوير الطبي (من الأشعة فوق السمعية إلى التصوير بالرنين المغناطيسي) تتوفر اليوم بفضل النمو الفريد في التكنولوجيا والأنظمة القائمة على مراكز البيانات المتصلة التي بتنا نعتمد عليها حالياً.
كيف ستخدم تكنولوجيا المعلومات مجال الصحة في المستقبل؟
سلّط معرض الصحة العربي، العام الماضي، الضوء على أهمية نموذج توفير الرعاية الصحية القائم على الخدمات. وهو عبارة عن ابتكار نتج عن الأهمية المتزايدة التي تتمتع بها التكنولوجيات الناشئة عن الخدمات، ويستفيد من شبكات الاتصال العالمية لبناء نماذج جديدة للأعمال. فمع زيادة أعداد المصابين بأمراض غير معدية، مثل السكري وأمراض القلب في المنطقة، ثمة ضرورة لم يسبق لها مثيل لتقديم الرعاية الصحية القائمة على التشخيص في مجالات مثل الطب الإشعاعي. لكن تبقى تكاليف رأس المال اللازمة لتأمين المعدات مسألة مهمة تجب معالجتها، لاسيما في الشرق الأوسط، حيث تخصص العديد من الدول ميزانيات متواضعة للرعاية الصحية.
وقد عقدت "جنرال إلكتريك" للرعاية الصحية، بالفعل، اتفاقيات رائدة مع بعض هيئات الرعاية الصحية في المنطقة، تقدم الشركة بموجبها معدات الطب الإشعاعي من دون مقابل، لكن مع تطبيق نموذج "فرض الرسوم وفق استخدام الخدمات". ولهذه المقاربة الجديدة للتعامل مع الاستثمار في المعدات الرأسمالية مزايا متعددة. فتستطيع، مثلاً، وزارات الصحة أن تركز أكثر على مهامها الإدارية الأساسية، وأقل على الرعاية الصحية بحد ذاتها، بينما يتولى المورّد مهام الحفاظ على المعدات والتكنولوجيات وضمان حداثتها في جميع الأوقات. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للأنظمة المعاصرة المتصلة بالشبكة، أن تطلب من أي طبيب إشعاعي في أي مكان في العالم أن يُجري التشخيص اللازم؛ إذ لم تعد خبرة التشخيص محدودة في المنطقة التي يعيش فيها المريض.
لا يمكن الجدال بعد أنّ المواضيع الأساسية المطروحة هي نموذج تقديم الخدمات، والتخصص المعاصر، والاتصال العالمي.
القياس الكمي للذات
من ناحية نظرية أكثر، نستطيع نحن الأفراد أن ندعم تطور ابتكار تكنولوجيا المعلومات في مجال الصحة، عبر تبني مفهوم "القياس الكمي للذات". يعني ذلك أنّ علينا جمع مؤشراتنا الحيوية ومعلوماتنا الإحصائية البيولوجية وتحليلها عبر استخدام معدات الرعاية الصحية في نوعيها: المهنية؛ وتلك المخصصة للمستهلكين التي يمكن "ارتداؤها". هذا هو "القياس الكمي للذات": إنسان له قياسات كمية يمكن أن تساعد على الوصول إلى تحليل نوعي.
وعلينا أن نجمع كل معلومات المرضى المتعلقة بمعدل ضربات القلب والتنفس وحرارة الجسم وغيرها، وذلك ضمن حدود الخصوصية المتفق عليها.
على سبيل المثال، يساعد تحليل البيانات الضخمة والذكاء المعرفي في مجال الرياضة، علماء الصحة في رصد الأنماط الصحية لدى الرياضيين، وإيجاد سبل لتحسين أدائهم. يمكن تطبيق هذه التحليلات نفسها على مجمل الناس، ومن ثم مقارنة هذه المعلومات في ما يخص الحمية وأسلوب العيش والضغط... إلخ، لمحاولة تحديد أي نوع من العلاجات قد يحتاجون إليها.
يجب أن ندرك ما لا نعرفه
المثير للاهتمام هو أنه من الضروري أيضاً جمع معلومات عن قياساتٍ للجسم لم يتم تحديدها بعد. والسبب هو أن العلم في تغيّر مستمر، وفي بعض الأحيان، تتطلب مجالات صحية تم تجاهلها في الماضي دراسات جديدة.
لكن إذا قمنا برصد كمية كبيرة من البيانات المتعلقة بأجسامنا وتخزينها -أي كمية أكبر من أن نحللها فنخزنها بدل ذلك- نكون قد ضمنّا توفر هذه البيانات عند الحاجة. وستفتقر هذه "البيانات الضخمة" بادئ الأمر إلى أي هيكلية، ولن تلعب أي دور محدد، إلى أن يحين وقت استخدامها. 
أما على المدى البعيد، فستساعدنا هذه المعلومات الشخصية الجزئية على فهم الوضع الصحي للسكان على مستوى شامل في السوق. وسيتمكن صناع السياسات ومقدمو الرعاية الصحية من التنبؤ بالأنماط والتوجهات في فئات كبيرة من المجتمع. 
الوقاية خير من العلاج
ما يُنتج عن هذه التطورات في تكنولوجيا المعلومات، هو أننا ننتقل من العلاج على مستوى المريض كمرحلة أولى، إلى الوقاية والكشف كمرحلة ثانية؛ أي نعود إلى ما قبل اللجوء إلى العلاجات والأدوية والإجراءات التصحيحية. 
وفي المستقبل، سيتجه عدد متزايد من المؤسسات العامة والخاصة نحو تحليل البيانات المتوفرة في سجلات الرعاية الصحية القائمة. وسيساعدنا تحليل البيانات الصحية مستقبلا في رسم التوجهات العامة في الرعاية الصحية التي يمكن تطبيقها على مجمل السكان، واكتشاف أي خلل قد يشير إلى ظهور أمراض جديدة. 
أما في المستقبل القريب جداً، فسيمكّنك هاتفك الذكي من الاتصال بجهاز التحليل الكيماوي المحمول ذي براءة الاختراع، كي تستطيع تحليل نسبة السُمّية في الماء الذي تشربه، والقيمة الغذائية في الطعام الذي تتناوله.
يتوقع علماء المستقبل أن استخدام التطورات القائمة على التكنولوجيات الجديدة في الرعاية الصحية ستؤدي إلى زيادة معدل عمر الإنسان إلى ما فوق 100 سنة. هل هذا خبر يسرّك؟ بالطبع، فمن المتوقع أن يكون كوكبنا في المستقبل أكثر صحة مما هو عليه اليوم. لكن هذا لا يعني أنه يمكننا تجاهل ضرورة تناول الحبوب المغذية والألياف والفيتامينات وممارسة الرياضة.
فلنشرب معاً عصير الكرنب والرمان المغذي.
*متخصص في شؤون تطوير البرمجيات وإدارة المشاريع والتكنولوجيا

التعليق