علاء الدين أبو زينة

متى تكون مخالفات السير جباية..!

تم نشره في الخميس 8 أيلول / سبتمبر 2016. 12:07 صباحاً

ينقسم الأردنيون بين مؤيدين للتشدد في تطبيق قانون السير ومنح المخالفات، وبين محتجين على هذا التشدد. وينطلق القسم الأول من قاعدة أن التشدد في ضبط المخالفات ورفع قيمتها ينبغي أن يردع المخالفين، وأن يفضي عملياً إلى خفض الحوادث ونوعيتها القاتلة. ويحتج المعارضون بأن الدولة تستخدم المخالفات لغرض جباية الأموال للخزينة من جيب المواطن، ويعرّجون على ذكر مبررات للمخالفة، من نوعية الشوارع، إلى عدم وجود أماكن اصطفاف، إلى الانتقائية في المخالفة وعدمها، وغير ذلك.
بطبيعة الحال، هناك منطق في الاتجاهين. فتطبيق قانون السير يندرج أخيراً في مطلب "حكم القانون" الذي يشكل شرطاً أساسياً لحداثة الدولة وديمقراطيتها. كما أن التشدد في تطبيق هذا القانون يجب أن يؤدي فعلاً إلى ردع المستهترين الكثر الذين يغامرون بأرواحهم وأرواح مواطنيهم على الطرق. ويفترض أن تحكم هذه العملية كلها قاعدة: "لا تخالف قوانين السير، ولن تدفع شيئاً"، وأن يكون هدفها النهائي حفظ أرواح المواطنين وسلامتهم وأموالهم أيضاً، وبالتالي صيانة رأس مال الأردن المادي والبشري معاً.
كنتُ دائماً أقرب إلى أنصار "التشدد" في موضوع مخالفات السير (على كراهية التشدد كمبدأ) بسبب كثرة ما نشاهد من التهور القاتل غير المبرر، أو ازدراء الكثيرين بمواطنيهم واستخدام الطرق وكأنها مُلك أبيهم. ولذلك، قلت مع القائلين بأن مخالفات السير لمن يستحق المخالفة ليست جباية، باعتبار أن دفعها اختياري لمن يختار أن يخالِف. لكنَّ بعض الظواهر التي نراها في شوارعنا تخلق انطباعاً بأن أحداً ما يريد استمرار مخالفات السير كمصدر دخل مهم لا غنى عنه للموازنة –حسب تقديره.
تدعم هذا الانطباع أمثلة كثيرة سأسرد بعضاً منها: هناك شارع في اتجاه واحد يشتبك مع تقاطع شوارع حيوي عليه إشارة سير. وكلما مررتَ من هناك، لا بد أن تشاهد عدة سيارات تدخل التقاطع بعكس السير من الشارع الممنوع، وتستغل المسافة الفارقة الصغيرة جداً بين الضوئين البرتقالي والأحمر أو الأخضر للعبور الخطير. وفي بعض الأحيان، يضعون شرطي سير عند رأس الشارع، فيوقف السيارات المخالفة بالعشرات، ولا يتمكن من إيقاف كل المخالفين فينفد البعض بجلودهم.
في كل مرة أمر من هناك أفكر بحلين نهائيين للمشكلة: وضع كاميرا ثابتة واضحة على رأس الشارع، والتي ستردع المخالفين قطعاً؛ أو جعله في اتجاهين وتثبيت إشارة عند نهايته ليندغم مع حركة الإشارة المرورية الأصلية. وهو في الحقيقة يعمل باتجاهين معظم الوقت بسبب كثرة المخالفين، مما يعني أنه قد يعمل على هذا النحو لو أصبح ذلك قانونياً، وبقدر أقل من إرباك السير. فلماذا لا يضعون حداً للمخالفة الخطرة جداً على هذا التقاطع الحيوي بأحد الحلين؟!
ثمة شيء آخر، هو مخالفات السرعة القاتلة على الطرق السريعة، مثل شارع المطار، وشارع الأردن، والطرق الأبعد إلى المدن الأخرى. وفي الحل، تستخدم إحدى الدول الشقيقة نظاماً لضبط السرعات على هذه الطرق، يعتمد على تثبيت رادارات عند كيلومتر واحد على طول الطريق، بحيث لا يستطيع السائق أن يزيد السرعة ويخفضها في هذه المسافة القصيرة. ولأن الناس يعرفون عن هذه الرادارات الواضحة، فإن أحداً لا يخالف إلا الذي يتعمد دفع قيمة المخالفة الكبيرة جداً.
من ناحية الكلفة، ربما لا تكون كل الأعمدة البيضاء في الجزيرة الوسطية رادارات حقيقية، وإنما قد تكون مجرد هياكل (على طريقة برج الحراسة الفارغ في سجن بنثام)، لكن الناس ينضبطون –إذا لم يقم أحد داخلي بتسريب أماكن الرادارات الحقيقية والمزيفة. وعلى أي حال، يجب أن يكون عدد الرادارات الحقيقية كبيراً بحيث يستحيل تجنبها، والأفضل أن تكون كلها حقيقية.
هناك، طبعاً، عشرات الاقتراحات حول الوسائل التي يمكن أن تحد كثيراً من المخالفات والحوادث، والتي ستعني بالضرورة قطع حنفية نقود المخالفات عن خزينة الدولة -وإنما حفظ أرواح المواطنين وممتلكاتهم وأموالهم. وفي تصوري أن أفضل شيء تفعله الدولة هو الاستثمار في تطبيق هذه الوسائل، من تحسين البنية التحتية للشوارع، إلى نشر آليات المراقبة والضبط في كل شارع ومنعطف. وإذا ألغينا ثنائية المواطن/ الدولة، واعتبرناهما شيئاً واحداً كما هو حالهما فعلاً، فإن وقف المخالفات والحوادث سيأتي بوفر مالي ومعنوي كبير على خزينة الوطن، أكبر من أي قيمة مخالفات.

التعليق