"ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومَن فيهن"

تم نشره في الخميس 8 أيلول / سبتمبر 2016. 11:00 مـساءً

أسامة شحادة

بيّن الله سبحانه تعالى لنا في سورة المؤمنين طرفاً من حال جدال الكافرين والمتشككين في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم في زمانه. وهو نهج ومسار ما يزال يعتنقهما الكثير من البشر اليوم، فقال تعالى: "حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُم مِّنَّا لا تُنصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ" (الآيات 64-71).
وفي تفسير الآية الأخيرة من هذا النص القرآني، نجد المفسرين على ثلاثة أقوال في معنى الحق، هي:
الحق: هو الله عز وجل؛ الحق: هو القرآن الكريم؛ الحق: ما يقابل الباطل. "ولا تعارض بين هذه الأقوال الثلاثة بل بعضها يكمل بعضاً فلا يمكن للمشرع (الله سبحانه وتعالى)، ولا للتشريع (القرآن)، ولا نتيجة التشريع (الحق) الذي به صلاح العباد في عاجلهم وآجلهم، أن تكون تابعة لأهواء البشر فينضبط أمر الوجود ويسير نظام الكون دون خلل ولا اضطراب".
أما الأهواء التي تفسد السماوات والأرض فهي تشمل:
- أهواء كفار قريش بجعل شركاء لله سبحانه وتعالى في الملك والتدبير والطاعة: "لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا..." (الأنبياء، الآية 22)، وذلك لتنازع الآلهة المفسد والمدمر، وهو ما يخالف الواقع في الكون من النظام والإتقان والإحكام، بخلاف ما يشيع في خيالات اليونان وأساطيرها، والتي يعاد إحياؤها اليوم في أفلام سينما وبرامج كرتون للأطفال! وفي واقعنا السياسي نرى كيف تحطم العراق بسبب تصارع الأميركيين والإيرانيين وهما بشر لديهم قوة ظالمة، فكيف سيكون حال الكون لو فرض وجود آلهة تتصارع؟
- أهواء منكري البعث واليوم الآخر. يقول الإمام ابن عاشور في تفسيره: "فلو فرض عدم البعث للجزاء لكان الثابت أن لا جزاء على العمل؛ فلم يعمل أحد خيراً إذ لا رجاء في ثواب. ولم يترك أحد شراً إذ لا خوف من عقاب، فيغمر الشرُّ الخيرَ، والباطلُ الحقَّ، وذلك فساد لمن في السماوات والأرض، قال تعالى: "أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ" (المؤمنون، الآية 115)".
- أهواء العصاة والفساق، بإباحة الشهوات من الزنا والربا والكذب والخداع والشهوة والظلم، أو بإسناد التشريع المطلق لأهواء الناس ورغباتهم. ونظرة على واقع البشرية اليوم تكشف لنا بوضوح عن ضخامة الفساد بأشكاله كافة في العالم بسبب عدم اتباع الحق الذي جاءنا به النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم والسنة النبوية من عند الله عز وجل.
فمخالفة أمر الله عز وجل بتحريم الربا لم تجلب للبشرية إلا الدمار والخراب. هذه حقيقة مسلّمة بها عند الباحثين من كل دين، برغم ما قد يحصل من منفعة قصيرة ومحدودة، كحال نشوة مدمن المخدرات. وفي دراسة له بعنوان "كارثة الفائدة"، يوضح الاقتصادي الألماني جوهان فيليب بتمان، كيفية إضرار الربا بالاقتصاد فيقول: "كلما ارتفعت الفائدة تدهور النقد. فكما يؤدي الماء إلى رداءة عصير البرتقال أو الحليب تؤدي الفائدة إلى رداءة النقود... وهذه العبارة السهلة البسيطة هي في الواقع معادلةٌ سليمةٌ وصحيحة تدل عليها التجربة ويمكن إثباتها، فالفائدة العالية تُدمِّر قيمة النقود، وتنسف أيَّ نظامٍ نقدي ما دامت تزيدُ كل يوم، وتتوقفُ سرعةُ التدمير وحجمُه على مقدارِ الفائدة ومدتها".
أما موريس آليه الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، فيشخص الاقتصاد العالمي وكأنه صالةُ قمار واسعة. ليس الأمرُ فيها يتصل بالمقامراتِ غير المحسوبة فحسب، وإنما هناك من يبيع دائماً ما لا يملك، ومن يشتري من دون أن يدفع ثمناً، ومن يتظاهر بأن هناك أسهماً لشركات وما هي في الواقع بشركات، ومن يقيد بالدفاتر ملياراتٍ كبيرة من دون أن يراها، ومن دون أن يقابلها رصيدٌ من أي نوع.
وحين خالفت البشرية أمر الحق سبحانه وتعالى في قضية العلاقة بين الرجال والنساء لم تجنِ من ذلك إلا الشرور والأوجاع، فسرطان الجلد ينتشر بشكل أكبر عند النساء اللاتي يلبسن الملابس القصيرة والعارية بحسب الدراسات الطبية. كما أن مرتكبي الزنا والفواحش تطحنهم الأمراض الجنسية الخطيرة وعلى رأسها "الإيدز".
ومع هذه العقوبات الربانية الصحية فإن المجتمع تنتشر فيه الجرائم بسبب ذلك أو بالتحرش الجنسي حيث تتعرض نصف نساء بريطانيا للتحرش بحسب دراسة للنقابات العمالية البريطانية نشرها موقع "الجزيرة نت"، كما أن الجيش الأميركي يعد أكثر المؤسسات التي تشهد عمليات تحرش جنسي بالنساء، إذ هناك 19 ألف حالة تحرش سنوياً، ونادراً ما يتم معاقبة المتحرش!
والواقع يحدثنا اليوم عن احتمال انقراض المجتمعات الأوروبية بسبب رفض أحكام الحق سبحانه وتعالى في بناء الأسرة ورعاية الأبناء. وبدلاً من ذلك تم هدم مفهوم الأسرة الذي تعرفه كل الفطر السليمة والمكون من زوج وزوجة وأولاد، لصالح مفاهيم حداثية مدمرة للأسرة والمجتمع من مثل أم وطفل أو أب وطفل أو زوج وزوج أو زوجة وزوجة! وبسبب انقراض هذه المجتمعات الأوروبية لانعدام المواليد أو قلتهم مقابل الوفيات، طرح بعض القادة منهم فتح الباب لهجرة اللاجئين لأوروبا لتجديد شبابها، لكن القوى العنصرية والمتشددة والمتعصبة رفضت أن يكون اللاجئون مسلمين.
أما الإصرار على رفض تحريم الله عز وجل لأم الخبائث؛ الخمر وأخواتها، فلم يجلب للعالم إلا الحوادث والكوارث والأمراض وكان وسيلة للطغاة لفرض عدوانهم كحال حرب الأفيون في الصين. وما تزال تجارة المخدرات إحدى أدوات المليشيات العدوانية والطائفية كحزب الله اللبناني، كما كانت أداة كثير من الدول المحتلة من قبل. ولهذا تسمح دولة اليهود لمروجي المخدرات بالعمل بشكل شبه علني في مدينة القدس بين الشباب الفلسطيني لتعجل بهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم.
لقد علّمنا الحق سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أن البشر لو فُوض إليهم الحكم لساد بينهم الظلم والفساد واحتكار الخيرات، قال تعالى: "أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا" (النساء، الآية 53)، وقال سبحانه: "قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنسَانُ قَتُورًا" (الإسراء، الآية 100). وهذا هو واقع النظام العالمي الذي يحتكر منافع العالم ويمنع محاولات كثير من الدول النامية للنهوض. ومن أمثلة ذلك احتكار البذور الزراعية الأساسية في العالم من خلال إنتاج بذور معدلة جينياً تكافح الآفات، لكنها عقيمة لا تصلح إلا لمرة واحدة، مما يجعل من الدول المنتجة لها تتحكم ببقية دول العالم في لقمة عيشها. وهذا ما فعلته دولة اليهود ضد الزراعة المصرية، إذ أمدتهم ببذور خربت التربة المصرية وجعلتها أسيرة لتلك البذور!
وعلى المستوى السياسي، فإن أداء مجلس الأمن تجاه إبادة الشعب السوري على يد الطاغية بشار نموذج مثالي، كما تقتيل الدب الروسي للشعب السوري الضحية مع رضا الذئب الصيني، فيما العم سام لا يكترث بعدد الضحايا طالما أن البديل الذي يقبله الإسرائيليون عن المجرم بشار لم ينضج بعد!
وأخيراً؛ وبعد أن بيّن لنا الله الحق عز وجل خطورة ترك الحق الواضح الواحد غير المتعدد ولا المتناقض ولا المتبدل بحسب القوة أو الهوى، أعلمنا أنه أنزل إلينا القرآن الكريم لغاية عظيمة، فقال تعالى: "بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ".
لقد جاء القرآن الكريم ليكون قائداً للبشرية لما فيه عزها وفخرها. وقد تحقق هذا للأمة المسلمة عشرات القرون؛ إذ كانت مركز الإيمان والعدل والرحمة والعلم للعالم. وما نزال إلى اليوم نفخر بديننا وشريعتنا التي حوت الإيمان والعدل والعلم والرحمة؛ وما نزال إلى اليوم نفخر بتاريخنا المجيد، ونفخر بحاضرنا وما فيه من عزة وإباء ورفض الخنوع للمحتل والظالم والطاغية. ونفخر بإيماننا وإسلامنا في وجه كل الشبهات والشهوات، ونفخر بشبابنا الذي رغم قلة الإمكانات فإنه ينافس شباب العالم في الإيمان والخلق والعلم والمعرفة، ولذلك يُستهدف من خلال هجرة العقول للغرب. ونفخر بعلاقاتنا الاجتماعية والأسرية في وجه موجات الانحلال والتفكك.
وفي مقابل إقبال آلاف البشر على الدخول في الإسلام من مختلف الديانات والثقافات، لما في الإسلام من شرف وعزة، تنتكس فطرة بعض المسلمين فيُعرضون عن الحق الذي جاء به القرآن الكريم، فوا أسفاه!

التعليق