عيسى الشعيبي

الرفاق والإخوان: "كلنا في الهوا سوا"

تم نشره في الجمعة 9 أيلول / سبتمبر 2016. 12:06 صباحاً

أشبع الكُتاب والمراقبون ومعظم المنشغلين بالانتخابات النيابية الوشيكة، قوائم التحالفات الخاصة بجماعات الإسلام السياسي، نقداً قاسياً واتهامات صريحة، جراء ما انطوت عليه هذه التحالفات من ارتجال وشعبوية، هدفها الرئيس، إن لم يكن الوحيد، إثبات الوجود، والبرهنة على أن جماعة الإخوان المسلمين "الأم" ما تزال قادرة على العودة إلى خشبة المسرح السياسي الداخلي، رغم كل ما تعرضت له من تهميش وإضعاف، وما لحق بها من انقسامات لا سابق لها.
في المقابل، نجت الأحزاب القومية واليسارية من موجة النقد العارمة هذه، رغم أن تحالفاتها الانتخابية لا تقل بؤساً عن نظيرتها الإسلامية؛ إذ تنقبت هذه دروب تلك في الجري وراء هدف الفوز بأي ثمن، حتى وإن كان الفوز على حساب المبادئ والشعارات التي يفيض بها خطاب هذه الأحزاب العريقة، المتسمة مواقفها التاريخية، السياسية منها والاجتماعية، بخاصية الظهور بمظهر الحرص والإخلاص لرؤاها المنحازة دائماً لصالح الجماهير الشعبية العريضة.
ومع أن هناك بعض الانتقادات الإعلامية الطفيفة لمثل هذا المسلك الانتخابي الخارج عن التوقعات والثوابت، والمبلبل لدفاعات قواعد هذه الأحزاب عن قادتها، إلا أن شيئا من الحرج كان بادياً على صمت أصدقاء الأحزاب القومية واليسارية، وهم يشاهدون أولاً إخفاق هذه الأحزاب في تفعيل جبهة المعارضة التقليدية، وتكوين قائمة موحدة فيما بينها؛ ويتابعون ثانياً كل هذه التحالفات غير المبدئية، بين "المناضلين العضويين"، المنذورين لخدمة الطبقات الكادحة، وبين أساطين البرجوازية الكبيرة.
ولعل الإشفاق الشديد على هذه الأحزاب المحدودة الشعبية أصلاً، كان هو الكابح لأقلام الكتاب والمعلقين الأصدقاء، عن الانسياق وراء حملة نقد مشابهة لتلك الحملة الضارية التي تعرضت لها جماعات الإسلام السياسي؛ وأن الشعور بالحرج والخشية من اللوم والعتب، كان السبب الذي حدا بالمتعاطفين مع تاريخ هذه الأحزاب، ومع طروحاتها التقدمية، إلى الامتناع عن صب مزيد من الزيت على نار المشهد الحزبي المتفكك في لحظة نادرة، كان من المقدر لها أن تنجلي عن وحدة مصلحية مؤقتة على الأقل.
وليس من شك في أن هذا الإخفاق المزدوج لأحزاب كان معوّلاً عليها، في تطعيم الحياة البرلمانية بنكهة معارضة سياسية حقيقية، حتى إن كانت طفيفة الوزن قليلة الدسم، سوف تكون له عواقب وخيمة على صورة هذه الأحزاب في المستقبل القريب. وهو ما قد يقوض خطابها المترع بالادعاءات المبدئية في المدى الأبعد، إذا ما أسفرت الانتخابات المقبلة عن خسارة ثالثة، تلي خسارة العجز عن إقامة لائحة انتخابية موحدة أولاً، وخسارة عقد تحالفات غير مبدئية، وغير مفهومة ثانياً.
هكذا، وبدلاً من أن تشكل الانتخابات النيابية رافعة مهمة من روافع النهوض بمكانة وشعبية أحزاب كانت جزءاً لا يتجزأ من الحياة الوطنية دائماً، فإن هذه الانتخابات، بما رافقها من إخفاقات ليست مبررة ولا يمكن الدفاع عنها، قد تشكل فخاً لم ينصبه أحد لهذه الأحزاب، التي أودت بنضالاتها السابقة من دون وجه حق، وتنكرت لما كانت تترافع عنه بالأمس القريب من مسائل مبدئية، وتلوح به من شعارات تاريخية، لتركض وراء بارقة فوز، قد تظهر بعد أيام على أنها كانت فرصة خلبية.
وبالطبع، لا أحد من أصدقاء الأحزاب القومية واليسارية يسره أن تلقى هذه الأحزاب مثل هذه النتائج السلبية المؤسفة، وأن تجد مزيداً من الصد عنها لدى القواعد الشعبية مستقبلاً، خصوصاً من جانب القطاعات الشبابية التي بدأت تجد لها أماكن تواصل فكري أجدى، وقنوات اتصال اجتماعي أكثر تلبية لاحتياجاتها، عبر العالم الافتراضي على الشبكة العنكبوتية، والذي أخذ يقدم بدائل تنظيمية أوسع، ويشهد تفاعلات فكرية أغنى وأغزر مما درجت على تقديمه الأحزاب الكلاسيكية.
وأحسب أن هذه العثرات المبكرة في المسيرة الانتخابية للأحزاب القومية واليسارية، قد جردتها منذ الآن من كل ادعاء بالتميز والخصوصية المبدئية عن جماعات الإسلام السياسي، التي تخلت هي الأخرى عن ميزاتها النسبية السابقة، لصالح الفوز بعدد معتبر من المقاعد مها كان الثمن، تحت وطأة الشعور بهاجس التهميش والتبديد، تماماً على ما بدت عليه الأحزاب التقدمية في المشهد الانتخابي الراهن، الأمر الذي يصح معه القول "كلنا -رفاقاً وإخواناً- في الهوا سوا"، وكان الله بالسر عليما.

التعليق