علاء الدين أبو زينة

ماذا فعلنا بالعيد..؟!

تم نشره في الأحد 11 أيلول / سبتمبر 2016. 12:06 صباحاً

ليس العيد ابتكاراً خاصاً بالمنطقة وأهلها، وإنما لدى كل الأمم تقريباً مناسبات ذات صبغة دينية أو روحانية. وبمرور الوقت، لم يعد الجميع يحتفلون بالعيد من منطلقات إيمانية خالصة واعية، وإنما يمارسه الكثيرون من باب الانسجام مع العرف الاجتماعي وكجزء من الثقافة. لكن المنطلقات تبقى شأناً شخصياً ولا تهم، ما دام التجلي العملي لهذه المناسبات الثقافية يعرض وجهاً إيجابياً، وما دامت الثقافة تمارس قاعدة الانتخاب الطبيعي، فتنبذ السيئ وتحتفظ بما يفيد.
كان العيد بالنسبة لنا غالباً مناسبة لفرح الأطفال وتغيير الرتابة، والاجتماع والتواصل. وهو في أعلى تجلياته احتفاء البعض بأداء طقس كان القصد منه فحص الروح وتشذيبها ومحاولة التسامي بها عن كل ما هو أرضي وعارض إلى ما هو علويّ ومطلق ومنزه عن الغرض. وكان عيد الأضحى يرتبط عندنا بعودة الحجيج، ومداخل البيوت المزينة بسعف النخيل والأشرطة الملونة، وربما انتظار هدية: سجادة تعلق على الحائط، أو مسبحة، أو ثوب أبيض وطاقية وتمر مكي. أما الحاج نفسه، فلا يعود كما ذهب، وإنما يفرض عليه اللقب أن يكون أكثر مسؤولية وأخلاقية واستحقاقاً للإعجاب. وبكلمة واحدة، كان العيد يعني: السلام.
لكن الأعياد أصبحت تعود على هذه المنطقة في السنوات الأخيرة بكل شيء إلا السلام. وانقلب معنى "عيد الأضحى" بالتحديد على رأسه. فبعد أن كان يرمز إلى افتداء الإنسان وعصمة دمه، أصبح المسلمون يضحون في كل أيام السنة بأضحيات بشرية، من بينهم ومن مواطنيهم، بالرصاص والقذائف وبالذبح الحرفي بالسكين من الرقبة، في السوق وعلى رؤوس الأشهاد.
الذي يحدث في بلادنا في السنوات الأخيرة هو أسوأ حرب يمكن أن تخوضها أمة ضد حضارتها وثقافتها وهويتها ووجودها نفسه. ومع أن المصلحة الضيقة والاستئثار وأكثر الغايات وضاعة هي التي تدفع الصراع، فإن أبرز المروجين لهذا الانتحار الجماعي يمارسونه تحت نفس اليافطة التعريفية التي يزعمون أنهم يمارسون وحشيتهم لأجلها: حفظ الحضارة العربية الإسلامية. وإذا كان الكثيرون يصفون ما يجري بأنه تأمل الأمة في روحها وتنقية نفسها، فإنه أردأ تأمل على الإطلاق، والذي لا ينتج إلا المزيد من كراهية الذات.
الآن، أصبح العيد متناقض المعنى ومحيراً. إنه في الأساس عيد المسلمين الذين يقولون لبعضهم: كل عام وأنتم بخير. ولكن، عيد أي طائفة أو نوع من المسلمين وكل منهم يخرج الآخر من الملة ويعتبر دمه مهدوراً وصالحاً للتضحية؟ بل إن العيد هو مناسبة لكل المنتمين إلى هذه الحضارة وهذه الثقافة من أبنائها، من كل عرق ودين وطائفة. ولكن، أي ثقافة وحضارة هي التي تتآمر على نفسها بهذه الطريقة، وتعكف على تفكيك مكوناتها ونبذ أولادها وتعطيل أجهزتها الحيوية؟ وبأي شيء تحتفل وهي تعرض نفسها للعالم بأسوأ الصفات وأكثرها وحشية؟
مشهدنا الآن فظيع، مثل الحرب العالمية الثانية وأسوأ. وليس البؤساء من بيننا بالعشرات والمئات، وإنما بعشرات الملايين أو أكثر. الكثيرون يقضون "العيد" تحت القصف واحتمال الموت. الكثيرون مهجّرون والأرض ضيقة عليهم؛ وآخرون يخوضون البحر هرباً إلى المجهول؛ والناجون من هذا وذاك يعيشون مع التوتر وانعدام اليقين والتساؤل عما قد يجلبه الغد. بل وقد يعني تجمع الناس للاحتفال بالعيد في مسجد أو قاعة في الكثير من الأماكن توفير هدف جيد لتفجير انتحاري.
لا عجب أن الناس أصبحوا "يمارسون" العيد بتثاقل، كشيء مفرغ من المحتوى وغامض التعريف، مثل كل عنصر تقريباً في تكوين ما كان هويتنا الثقافية والحضارية. ولعله في أحسن الأحوال فرصة للتأمل، واستكشاف ما حدث لعلاقاتنا ودوافعنا وهذا الضيق المطبق الذي قلل كثيراً مساحات الفرح والتواصل النقي والروح الجمعية. ومع أن الفرد لا يمتلك الأجوبة ولا وصفة الخروج من المأزق القاهر، فإنه يظل معنياً على الأقل بحصته ومساهمته بحيث لا ينبغي أن يكون عُنصراً مضيفاً إلى الفوضى والكراهية، وشامتاً بالذين يذبحون في الأسواق أو يبيتون في العراء. لعل العيد يعود بما ينبغي أن يعود به: الفرح والخير والسلام!

التعليق