عيسى الشعيبي

يوم يُكرم المرء ولا يهان

تم نشره في الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2016. 12:05 صباحاً

في ختام هذا النهار الطويل بحسب التوقعات السائدة، ستصفّر وجوه وتحزن نفوس مرشحين، أكثر بكثير ممن ستملأ بهجة الفوز صدورهم وتعلو جباههم، وذلك عندما تقول صناديق الاقتراع في نهاية اليوم كلمتها الفصل في السباق الانتخابي. فهذه هي الانتخابات في كل زمان ومكان، منذ أن عرفت الشعوب مثل هذه الطريقة في إدارة شؤون الحكم، وتداول السلطة بأعلى درجة من التوافق، وأقل قدر من الصراع.
غير أن أكثرية الناس في بلادنا تنظر إلى الانتخابات على أنها معركة حامية الوطيس، وكأنها امتداد لحروب داحس والغبراء، تسميها بهذا الاسم الحربي الراعف بالدماء وتكسير العظام، تخوضها بحمية الذاهب إلى ساحة الوغى قاتلاً او مقتولاً، وتنخرط فيها حتى الرمق الأخير، الأمر الذي يخلف بين الناس كل التباغض والتباعد والاحتقان، ويبعث في قلوب بعضهم المرارة وخيبات الأمل، وذلك لعدة أسابيع على أقل تقدير.
ما يخفف من وطأة هذه "المعركة" التي تقع ــ لحسن الحظ ــ كل أربع سنوات، ويعدل من حدة المزاج العام، أن أجواء الانتخابات في الأوساط الشعبية، ليست بتلك الدرجة من السخونة التي تبدو عليها لدى المترشحين ومقاولي الأصوات، لا سيما في العاصمة والضواحي، وإلا لكان الوضع يستدعي استنفار قوات الأمن ونشرها في الشوارع والحارات، للفصل بين المتجابهين على ضفاف الحملات الدعائية ومقرات مراكز الاقتراع.
وأكثر من ذلك، فإن فئات واسعة من القاعدة الانتخابية تبدو في مكان بعيد نسبياً من ساحة هذه "المعركة"، لديها أولويات أخرى، واهتمامات ملحة بصورة أشد من المنافسات على مقاعد البرلمان، أغلبها يتصل بالقضايا المعيشية، وضغوطات الحياة اليومية، بما في ذلك قلة الفرص المتاحة، وغلاء الأسعار، والاختناقات المرورية، وما إلى ذلك من عناوين فرعية تتقدم على العنوان الأبرز، الذي يغطي الساحات وأرصفة الشوارع  وأعمدة الكهرباء.
وعليه، ورغم النفخ الشديد على جمرات العملية الانتخابية، فإنها قلما تتوهج وتطلق شراراتها في كل الاتجاهات، ناهيك عن حقيقة أن الاعشاب خضراء في الحقل، وأن خراطيم الماء جاهزة في أي لحظة للتدخل على وجه السرعة، الأمر الذي يفوّت على قارعي طبول "المعركة" حشد الحشود، وإلهاب حمية الفرسان ورماة السهام والنبال، لاقتحام الساحة الخالية من الجند إصلاً، إلا من بعض المتفرجين والفضوليين والأوغاد.
بكلام آخر، فإن من أطلقوا على الانتخابات اسم "معركة" ظلموا أول ما ظلموا المرشحين أنفسهم، الذين يبررون إقدامهم على مثل هذه المنافسة الرياضية الحضارية المفتوحة على الفوز والخسارة، بأن ذلك خدمة للناس، ورغبة منهم في تقدم الصفوف لتحسين مستوى الخدمات، وربما لتصويب السياسات، وتصحيح اعوجاج النهج الحكومي، وإقرار ما يلزم من قوانين وتشريعات، أي أنهم في حل من مظنة الطعن بالسيف والرمح.
وأحسب أن التشخيص الدقيق لمجريات أي عملية انتخابية، تحدث هنا أو هناك، بما في ذلك الحملات الدعائية، هو وصفها بكل أريحية، بأنها مبارزة فكرية برامجية، بين شخصيات عامة، وفعاليات اجتماعية، مهمومة بالمسائل والموضوعات التي تشغل بال عموم الناس، لا أثر فيها للأنا إلا في أضيق الحدود، ولا محل فيها للحسابات الشخصية إلا بما يحفظ الكرامات، وذلك كله أبعد ما يكون عن المعارك ذات الدلالات الموحية بزمن عبس وذبيان.
وإذا كان لا يصح تسمية المباريات الرياضية بمسميات حربية، مثل معركة مصيرية، أو موقعة فاصلة، ولا يجوز أيضاً تسمية المسابقات في أي ميدان من ميادين الفوز بعطاء أو مناقصة، أو فرصة وظيفية، بأنها موقعة نارية، فلماذا نخصّ الانتخابات وحدها بمثل هذه التسمية المثيرة للخواطر، المزلزلة للعلاقات بين جماعات وأفراد نذروا أنفسهم لخدمة المجتمع دون تمييز، وبذلوا في سبيل ذلك الجهد والوقت والمال؟.
لذلك كله فإن الانتخابات، كما ينبغي أن تكون عليها اليوم، وفي كل وقت مقبل، هي أقرب إلى امتحان عام، ينعقد في طول البلاد وعرضها، لاختبار مدى شعبية ومقبولية عدد من أصحاب الذوات، المستعدين لحمل مهمات وطنية ثقيلة نيابة عن الجميع (من هنا أتى لقب النائب) وبالتالي فإن من ينجح منهم ينال التكريم المستحق بمقعد في البرلمان، فيما لا تلحق بالخاسر إهانة تدعوه للحرج شخصيا، أو التواري عن الأنظار.

التعليق