زليخة أبوريشة

تحريف الكتب المدرسيّة!

تم نشره في الاثنين 19 أيلول / سبتمبر 2016. 11:03 مـساءً

في أحد التعليقات الغاضبة على التعديلات الأخيرة التي أجرتها وزارة التربية على الكتب المدرسيّة، وردت عبارة أن ما قامت به الوزارة هو "تحريف" للكتب (على غرار تحريف القرآن والحديث)، لا إصلاحاً لها. وهي عبارة تشبه زلّة لسان لكنها كاشفة جوهريّة عن أعماق التفكير الساكن المتحجّر الذي أضفى القداسة على أشياء ليس فيها من القداسة مثقال ذرّة، كالكتب المدرسيّة. وما ذلك السُّعار في تحميل التغيير الذي حصل أبعاداً اتهاميّة تتلخّصُ في محاربة الدين، وفي تنفيذ أجندات أجنبية، سوى تطبيقٍ عمليّ لهذا المفهوم "تحريف الكتب"!! حيثُ نظرَ جميعُ من قرأتُ لهم (وهم بالآلاف) ممن أصابتهم الغضبةُ المُضَرِيّة على الدين، إلى الكتب المدرسيّة على أنَّها كتب مقدّسة، وأن ما جاء فيها من نصوص وأمثلة وأسماء وصور وتمارين لا يجوز المساس بها، بل لها فوق ذلك حقوقٌ مكتسَبة. وإذا كان قد استخدم هذه الاستراتيجيةَ الأُمّيّةَ الخبيثةَ متأسلمون وإسلام سياسيّ له أجندته المعروفة في ترسيخ الإذعان في نفوس أفراد الشعب، وتعزيز الطاعة وإلغاء العقل، واستغلال العاطفة الدينيّة في الوقوف في وجه التغيير، فإن آخرين لا علاقة لهم بهذا العالم الغريب والانتهازيّ قد وقعوا في الحفرة ذاتها، عندما قارنوا مقارنات مضحكة وتدعو فعلاً إلى الدهشة، بين كتابٍ قديم وجديد... فها هنا كانت المرأة محجّبة (حتى وهي في البيت) وهنا خلعت الحجاب (حتى وهي في مطبخها)!! وهنا كان اسم البنت فاطمة وهنا صار اسمها سمر... وهنا كان يوجد آيتان وهنا بيت شعر.. وهنا كان ابن بطوطة يحفظ القرآن وهو ابن سبع، وهنا حُذِفَ ذلك... وهكذا.
بل إن بعض العلمانيين والتنويريين قد وقعوا في وهم المقارنة، لا من باب القدسيّة طبعاً، ولكن من باب اعتبار التغييرات سطحيةً واستفزازية. لدرجة أن إحدى الناشطات اقترحت أنه كان من الأفضل لو حضرت المرأة في الكتب المدرسية المعدّلة في مهنٍ لا يظهر فيها شعرها مثل: رائدة فضاء، أو طبيبة في غرفة عمليات، أو مهندسة في مصنع، أو شرطية.... إلى غير ذلك حتى لا يستفزّ التغييرُ هذه الشرائحَ! وهي فكرة وجيهة جداً تنقل المرأة من حجابها الأيدولوجي، إلى حجابها الوظيفي، ومن مطبخها إلى عالم الإبداع والإنتاج الواسع، ولكن!
وإذا كنتُ لا أرى سطحيّة في التغييرات، لأنها تتعلق بالاعتراف بالآخر وحقه أو حقها بالوجود، فإن المتأسلم المتأدلج مستفَزٌّ دونما أي سبب، لأنه على ركبة ونصف قاعد لرصد التغيير الإيجابيّ (من وجهة نظرنا) والوقوف في طريقه، وإعداد كل ما من شأنه أن يمنع حدوثه. بل هو لا يريد من التغيير إلا أن يكون مزيداً من السيطرة على عقول الناس بالخرافة والتفكير الغيبيّ والجن وحديث السحر وتقديس ما ليس بمقدّس، والتبعية والإيمان بالمعجزات لتحلّ المشكلات وبالتكفير.. بعيداً بالطبع عن التفكير العلمي الموضوعي بالواقع وشجونه. ولذا لا بدَّ في رأيي من صفع هذا الواقع المستَلَب حتى يصحو، بإصلاح جذريّ تماماً، يقوم به أناس على درجة عالية من التخصص والوعي وامتلاك الرؤيا، لا أولئك الذين كانوا، ولمدة ربع قرنٍ على الأقل، هم أحد أسباب الترهل والرداءة في التربية وأدائها، ومنها إعداد كتب مدرسية مهترئة قيماً ومعارف. وتشكيل لجنة لفحص موضوع المناهج من الأشخاص أنفسهم الذين شاركوا في تعليم الرداءة، بل ودافعوا عنها باستماتة عندما كنا نهاجمها، لا يفتح أمامنا أي أمل بإصلاح حقيقيّ.. وإذا ما كان إنشاء المركز المتخصص بالمناهج والتقويم، الذي ورد في خطاب جلالة الملكة، وفي الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشريّة، مهم للإصلاح التربوي المنشود، فإنه من الأهم أن يُستَبعَد من التعيين فيه كلُّ من كان له إصبع في المناهج القديمة وكتبها، وخصوصاً لجان المواد ورؤساءها، والمحافظين التقليديين في مجلس التربية، وأساتذة التربية في الجامعات الصامتين على ما يجري، ولم يحركوا ساكناً والفيضان الأيدولوجي يغرقنا.
دعونا لا نفقد الأمل...!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اين الايجابيه (مهتم)

    الأحد 25 أيلول / سبتمبر 2016.
    اود ان اسأل عن الايجابية في حذف اية قرانيه من كتاب التربية الاسلامية او حديث للنبي صلى الله عليه وسلم قبل دخول الخلاء او السؤال المحير اين السلبية في وجود هذه الايات والاحاديث بالنسبة لي انا فقدت الامل
  • »يا لوقاحتهم !! (أحمد البلبيسي)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2016.
    البعض ممن رأوْا الكثير بحياتهم و اغوتهم مصطلحات العصر انهم ينظروا الى تغير المناهج هذا #التغير_الشنيع بالعادي
    او أقل .. فحذف اسم يرتبط بشخصية تحترم لها ما لها مكان اسم لا يحي لقارئه بالمجد او القدوة ليس عاديًا ولن يكون كذالك
    و ابدال أية ببيت شعر ليس امر بسيط ولن يكون مهما تجملت عبارات المفسرين ...
    ولربما الحديث يطول اذا ما أردنا اصابت المراد
    الي ما هز في شي ع التغير هاذ قبل الان لن يتحرك فيه شي من كلمات
  • »ابن بطوطة (متابع)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2016.
    في كتاب ابن بطوطة تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار اعداد د الحسيني الحسيني المعدي طباعة دار الخلود بالعتبة بمصر ورد في حكاية صفحة 75:وكان بدمشق من كبار الفقهاءالحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلم في الفنون ,الا ان في عقله شئا. لماذا لا نذكر راي ابن بطوطة هذا
  • »مقال اعجبني (مادلين الطاهات)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2016.
    تحت عنوان تغيير المناهج وتعديلها... بحثت في جميع التعليقات والردود الغاضبة على تعليق يحمل نقدا بناء او ملاحظات قيمة تهدف الى تقييم التغيير وتقويمه... ولكني لم اجد سوى غضب وسب ولعن وشتم وتكفير ... وهجوم على كل من يحاول تفسير اهمية التغيير وتوضيح اسبابه ... وقد تم سب وقذف واتهام احدى الفتيات بالالحاد ونعتها بالفاظ بذيئة .. فكان من الواضح ان كل هذه الردود لا تعكس الاخلاق الاسلامية واسس العقيدة الصحيحة التي يتحدثون باسمها... ويكفي ان هذه الردود هي مثالا واضحا على اهمية احداث التغيير... فقد تمنيت ان اجد عقولا قادرة على اجراء الحوار الفعال والنقاش المثمر ... ولكنني تفاجأت بعقول مغلقة تماما ترفض الاخر والرأي الاخر ... وفي كل حال فانه في علم ادارة التغيير تكون النسبة الاكبر ضد التغيير ... فكيف ان كانت ترى هذه المناهج مقدسة ولا يجوز المساس بها.... يجب ان تقف الوزارة بموقف ثابت على هذه التغييرات مع الاخذ بعين الاعتبار بعض التعديلات او الملاحظات القيمة من قبل ذوي الاختصاص ان وجد..
  • »مقال رائع (وافد عربي)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2016.
    اوافقك الراي سيدتي ولكن حين نتكلم عن المجتمع وخليطه ليش ما يكون ايضا هناك ذكر للوافدين المصريين السوريين والعراقيين وايضا هل المجتمع سيقبل وجود مثيليين حيث انهم موجودين بالمجتمع ولما لا حيث نستطيع تقبلهم ؟ مجرد راي حر
  • »تحريف الكتاب (جميل ابىاهيم)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2016.
    يندهش الانسان عندنا يرى هذه الحملة عند تعديل معلومة في كاتب مدرسي ، ونسأل ، هل الكتاب المدرسي مقدس؟ عندنا ينتي الطلاب من سنتهم يمزقون هذا المقدس ولا يسألهم أحد لماذا مزقت المقدس؟ الطلاب عندنا يدخل الى حصة الدرس يفهم انها حصة متخصصة في عنوانها ولا يجوز البحث في موضوع آخر ، حصة جغرافيا لا جغرافيا ، التاريخ لاتاريخ ، الدين الدين ، المطالعة للمطالعة وفن القصة ، دخول ماده دخيله على منهج الحصة يلغي كون الحصة مادة تخصص ولا يستقيم التعليم ، يصلح للجدل سيد المواقف ، لا يجوز تقديس كل الورق ليبقى المقدس محترما في موقعه ، من هنا على ما اعتقد قدسنا الكتاب القديم مثل البخاري مع ان فيه من الزلل ما يهز كيان الامة بل وندافع عما فيه من امور لا يقبلها من له عقل يفكر فيه ، احترموا المقدس ليبقى مقدسا ، ولا تخلطوا الحابل بالنابل وتدافعوا عن ورق يمزق في الشارع نهاية العام .
  • »إيجابي.. و لكن (نادر أبو عمارة)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2016.
    الأهم من تلافي الأخطاء هو الاتجاه وجهة صحيحة. كإيجاد أنواع و أنماط و عوالم من التفكير لدى الطالب و ليس مجرد الهروب من خطأ.
  • »ما العلاقه بينك وبين المناهج (احمد)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2016.
    28 عاما عملت في التعليم ولم اسمع عنك كخبر في التربيه اوالمناهج
  • »أولوية الحكومة منع اختطاف الدين بتعميق ثقافة الدين بالمدارس والإعلام وزيادة عدد المساجد وخريجي الشريعة (تيسير خرما)

    الثلاثاء 20 أيلول / سبتمبر 2016.
    أسهل وأسرع من يجند بالإنترنت للإرهاب مسلم بالإسم يجهل أركان الإسلام وحلاله وحرامه بل مختل يتحول لقاتل جماعي يقول الله أكبر لا يعرف معناها فواجب الحكومة رصدهم ودراستهم وعليها منع اختطاف الدين بتعميق ثقافة الدين بالمدارس والإعلام وزيادة عدد المساجد فمن يصلي يعرف أنها تزدحم يوم الجمعة مع تزايد سكان سنوي وتعمق بالدين وعليها زيادة مقبولي كليات الشريعة وبمنح كاملة بمكرمة ملكية وزيادة رواتب أساتذة ووعاظ وأئمة وربط اعتماد كل جامعة بإنشاء كلية شريعة.