الدور الحقيقي الذي تلعبه الولايات المتحدة في سورية

تم نشره في الاثنين 19 أيلول / سبتمبر 2016. 11:00 مـساءً

جيفري ساكس*

نيويورك- تشكل الحرب الأهلية التي تدور رحاها الآن في سورية الأزمة الأشد خطورة وتدميراً على كوكب الأرض كله. فمنذ أوائل العام 2011، لقي مئات الآلاف من الناس حتفهم؛ وأُخرِج نحو عشرة ملايين سوري من ديارهم؛ وتزلزلت أوروبا بفِعل إرهاب تنظيم (داعش) والتداعيات السياسية التي جلبتها أزمة اللاجئين؛ واقتربت الولايات المتحدة وحلفاؤها في منظمة حلف شمال الأطلسي إلى حد خطير من خوض مواجهة مباشرة مع روسيا أكثر من مرة.
على هذه الخلفية، من المؤسف أن يكون الرئيس باراك أوباما قد تسبب في مضاعفة المخاطر إلى حد كبير عندما أخفى الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في سورية عن الشعب الأميركي والرأي العام العالمي. وسوف يتطلب إنهاء الحرب في سورية أن تقدم الولايات المتحدة بياناً صادقاً عن دورها المتواصل والسِري غالباً في الصراع السوري منذ العام 2011، بما في ذلك كشف الأطراف التي تتولى تمويل وتسليح وتدريب وتحريض الأطراف المختلفة. ومن شأن مثل هذا الكشف أن يساعد في وضع حد للتصرفات المتهورة التي تقوم بها العديد من الدول.
التصور واسع الانتشار -والزائف- هو أن أوباما أبقى الولايات المتحدة بعيدة عن الحرب السورية. بل إن اليمين في الولايات المتحدة ينتقد أوباما بشكل روتيني لأنه رسم خطاً أحمر في الرمال للرئيس السوري بشار الأسد بشأن استخدام الأسلحة الكيميائية، ثم تراجع عندما ذكرت التقارير أن الأسد عبر ذلك الخط (وتظل هذه القضية غامضة وموضع جدال، مثلها مثل الكثير من الأمور الأخرى التي تجري في سورية). وفي إطار تكراره مؤخراً للفكرة الخاطئة القائلة إن الولايات المتحدة ظلت ممتنعة عن التدخل في سورية، أشار أحد كبار الكتاب في صحيفة "فاينانشال تايمز" ضمناً إلى أن أوباما رفض نصيحة وزيرة الخارجية آنذاك، هيلاري كيلنتون، بتسليح المتمردين السوريين الذين يقاتلون الأسد.
لكن الستار يُرفَع من حين لآخر. ففي شهر كانون الثاني (يناير)، كتبت صحيفة "نيويورك تايمز" أخيراً عن أمر رئاسي سري صدر في العام 2013 إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بتسليح المتمردين السوريين. وكما شرح التقرير، فإن المملكة العربية السعودية تقدم دعماً مالياً كبيراً لتسليح المتمردين، في حين توفر لهم وكالة الاستخبارات المركزية، بناء على أوامر أوباما، الدعم التنظيمي والتدريب.
ولكن للأسف، ظهرت تلك القصة ثم اختفت من دون أي توضيح إضافي من حكومة الولايات المتحدة، أو متابعة من صحيفة "نيويورك تايمز" نفسها أيضاً. وتُرِك الناس في الظلام: ما هو حجم العمليات التي تديرها وكالة الاستخبارات المركزية والسعوديون هناك؟ وكم تنفق الولايات المتحدة على سورية سنوياً؟ وما هي أنواع الأسلحة التي تزود بها الولايات المتحدة والسعوديون والأتراك والقطريون، وغيرهم، المتمردين السوريين؟ وأي المجموعات تتلقى الأسلحة؟ وما الدور الذي تلعبه القوات الأميركية، والتغطية الجوية، وغير ذلك من الأفراد الأميركيين في الحرب؟ ما تزال حكومة الولايات المتحدة تمتنع عن الإجابة عن هذه التساؤلات، ولا تسعى وسائل الإعلام الرئيسية أيضاً إلى الحصول على إجابات.
في أكثر من عشر مناسبات، قال أوباما للشعب الأميركي "إن الولايات المتحدة لن ترسل قوات برية على الأرض". ولكن، على الرغم من هذا، يجري أيضاً إبلاغ الشعب الأميركي كل بضعة أشهر في بيان حكومي مقتضب بأنه يجري نشر قسم من قوات العمليات الخاصة الأميركية في سورية. وتنفي وزارة الدفاع بشكل روتيني تواجد قواتها عند الخطوط الأمامية. ولكن، عندما نفذت روسيا والحكومة السورية مؤخراً عمليات القصف الجوي والمدفعي ضد معاقل المتمردين في شمال سورية، أبلغت الولايات المتحدة الكرملين أن هذه الهجمات تهدد القوات الأميركية الموجودة على الأرض. ولم يتلق عامة الناس أي شرح لطبيعة المهمة التي تقوم بها هذه القوات، أو الأموال التي تتكلفها، أو الأطراف الأخرى المشاركة في سورية.
من خلال تسريبات عَرَضية، وتقارير استقصائية، وبيانات تصدر عن حكومات أخرى، وتصريحات نادرة من مسؤولين أميركيين، أصبحنا نعلم أن الولايات المتحدة متورطة في حرب نشطة متواصلة، والتي تتولى تنسيقها وكالة الاستخبارات المركزية بهدف الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد ومحاربة تنظيم "داعش". ويشمل حلفاء أميركا في جهود مكافحة الأسد كلاً من المملكة العربية السعودية، وتركيا، وقطر، وبلدان أخرى في المنطقة. وقد أنفقت الولايات المتحدة مليارات من الدولارات على الأسلحة، والتدريب، وقوات العمليات الخاصة، والغارات الجوية، وتقديم الدعم اللوجستي لقوات المتمردين، بما في ذلك المرتزقة الدوليون. كما أنفق حلفاء أميركا مليارات أخرى من الدولارات. ولا تتحدث التقارير عن الحجم الدقيق لهذه المبالغ.
لم يكن لعامة الأميركيين أي رأي في اتخاذ هذه القرارات. ولم يجر أي تصويت على التفويض أو أي موافقة على الميزانية في الكونغرس الأميركي. ولم يفسر أحد أو يبرر الدور الذي تلعبه وكالة الاستخبارات المركزية. ولم يدافع أحد عن الشرعية المحلية أو الدولية لتصرفات الولايات المتحدة أمام الشعب الأميركي أو العالم.
يرى أولئك الذين هم في قلب المجمع العسكري الصناعي الأميركي أن هذه السرية في محلها وكما ينبغي أن تكون. ويبررون موقفهم هذا بأن التصويت الذي جرى في الكونغرس قبل خمسة عشر عاماً والذي أجاز استخدام القوة المسلحة ضد من ارتكبوا هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، يعطي الرئيس والمؤسسة العسكرية تفويضاً مطلقاً بخوض حروب سرية في الشرق الأوسط وأفريقيا. فلماذا ترتب على الولايات المتحدة إذن أن تشرح علناً ما تقوم به؟ لن يفضي ذلك إلا إلى تعريض العمليات للخطر وتعزيز قوة العدو. ولا يحتاج عامة الناس إلى العِلم بما يجري.
الواقع أنني أؤيد وجهة نظر مختلفة: فالحرب يجب أن تكون الملاذ الأخير، ولاببد أن تخضع لقيود التدقيق الديمقراطي. وترى وجه النظر هذه أن الحرب السرية التي تخوضها الولايات المتحدة في سورية غير قانونية، سواء بموجب الدستور الأميركي (الذي يعطي الكونغرس وحده سلطة إعلان الحرب) أو بموجب ميثاق الأمم المتحدة، وأن الحرب الأميركية ذات الوجهين في سورية تشكل مقامرة خطيرة ومتهورة. وليس الهدف من الجهود التي تقودها الولايات المتحدة للإطاحة بالأسد حماية الشعب السوري، كما يقترح أوباما وكلينتون بين الفينة والأخرى، وإنما هي حرب أميركية بالوكالة ضد إيران وروسيا؛ حيث تصادَف أن تكون سورية هي ساحة المعركة.
إن مخاطر هذه الحرب أعلى كثيراً وأشد خطورة مما يتخيل المحاربون بالوكالة عن أميركا. ففي حين تواصل الولايات المتحدة حربها ضد الأسد، تصعِّد روسيا دعمها العسكري له. وفي وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية، يعد سلوك روسيا مهيناً: كيف يتجرأ الكرملين على منع الولايات المتحدة من الإطاحة بالحكومة السورية؟ والنتيجة هي صِدام دبلوماسي متزايد الحِدة مع روسيا، وهو الصِدام الذي قد يتصاعد ويُفضي -ربما عن غير قصد- إلى نقطة الصراع العسكري.
يجب أن تخضع هذه القضايا للتدقيق القانوني والرقابة الديمقراطية. وأنا على يقين من أن الشعب الأميركي سوف يرد بالرفض المدوي لهذه الحرب الجارية التي تقودها الولايات المتحدة لتغيير النظام في سورية. فالشعب الأميركي يريد الأمن -بما في ذلك إلحاق الهزيمة بتنظيم "داعش"- لكنه يعرف أيضاً ذلك التاريخ الطويل والمأساوي لمحاولات تغيير الأنظمة بقيادة الولايات المتحدة، بما في ذلك في أفغانستان، والعراق، وليبيا، وسورية، وأميركا الوسطى، وأفريقيا، وجنوب شرق آسيا.
هذا هو السبب الرئيسي الذي يحمل الدولة الأمنية الأميركية على رفض  التصريح بالحقيقة. إن الشعب الأميركي يدعو إلى السلام وليس إلى الحرب الأبدية. والآن، لم يتبق للرئيس باراك أوباما في منصبه سوى بضعة أشهر لإصلاح إرثه المتصدع. وينبغي له أن يبدأ بمصارحة الشعب الأميركي بحقيقة الدور الأميركي في سورية.

*أستاذ التنمية المستدامة، أستاذ السياسات الصحية والإدارة، ومدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا. هو أيضا مدير شبكة حلول التنمية المستدامة للأمم المتحدة. ومن بين مؤلفاته "نهاية الفقر"، و"الثروة المشتركة"، ومؤخراً، "عصر التنمية المستدامة".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق