علاء الدين أبو زينة

مجلس النواب: ثمن الحبر..!

تم نشره في الخميس 22 أيلول / سبتمبر 2016. 12:07 صباحاً

كنتُ أتأمل العدد  الكبير من الصور واللوحات الإعلانية واليافطات التي ازدانت بها شوارع  المملكة في حملة انتخاب مجلس النواب. فكرت بأن الانتخابات النيابية فرصة نادرة لازدهار عمل الخطاطين والمشتغلين بالإعلان، وفكرت أيضاً بالمبالغ الكبيرة التي صُرفت على الإعلانات  والمنشورات والمطبوعات، كجزء لا يتجزأ  من العملية الانتخابية، واختبار الديمقراطية. وخطرت في البال أيضاً عبارة معروفة تتعلق بجدوى الأشياء أو عدمها، حيث يقولون إن العمل الفلاني  يستحق/ أو لا يستحق ثمن الحبر الذي استخدم فيه. وفي الحقيقة، صُرف الكثير جداً من "الحبر" في الحملة الانتخابية. والآن، في اليوم التالي للانتخابات، سوف يذهب الحبر وما خُط ورسم عليه إلى الإتلاف، وكأنه لم يكن. فهل يستحق الأمر كله ثمن الحبر؟
الجواب يعتمد! وبغض النظر عن المواقف الشخصية والنظرات المختلفة تجاه الانتخابات والمجالس النيابية المحلية، لا يسع كل أردني سوى أن يتمنى الأفضل لهذا الوطن الأجمل والأغلى. ولعل الأفضل لأي إنسان في كل مكان هو إحساس المرء بأنه "في بيته" على رأي الإنجليز. والمقصود أن يكون الفرد منسجماً في بيئة ودية قليلة الضغوط، وحيث يشعر بأن معظم رغباته المشروعة تتحقق. وفي النظام الديمقراطي، يفترض أن تكون المجالس النيابية هي صوت الفرد الذي يعبر به عن رغباته، ووسيلته لممارسة حصته من المشاركة في حكم نفسه.
حتى يعمل مجلس النواب بهذه الشروط، يفترض أولاً أن يكون تكوينه ممثِّلاً حقاً لأكبر قطاع من الناس، بمعنى التعبير عن التطلعات والرغبات الحقيقية الإيجابية للممثَّلين في اتجاه  التقدم بالوطن ومواطنيه جميعاً. ويفترض ثانياً أن يكون مجلس ممثلي الشعب  سلطة حقيقية، متحررة من أي استئساد لأي من السلطات الأخرى بحيث لا يبدو كياناً شكلياً بائساً مفرغاً من المحتوى. وفي الحقيقة، إذا فقد الناس احترامهم للهيئة التي ينبغي أن تمثلهم وأحسوا بأنها مستلبة الإرادة، فإن  ذلك سيماثل شعور الشخص الذي قطعوا أوتاره الصوتية ولسانه وكمموا فمه. وليس هناك أسوأ من ذلك عجزاً وقلة حيلة. كما سيحسّ المواطن بقهر مماثل إذا  كان هو يغني في وادٍ ويغني مجلس النواب في وادٍ آخر وعلى ليلاه الخاصة.
يفترض، نظرياً، أن يكون اليوم الذي يلي انتخاب النواب مختلفاً عن اليوم الذي سبقه بطريقة ملحوظة، خاصة إذا لم يكن هناك سياق ديمقراطي مستقر، وكان حديث "الإصلاح" هو عنوان المرحلة. وسيتجلى الأثر بالتدريج في تحقيق انفراجات على مختلف الصعد. ومن الطبيعي أن لا يتوقع المرء من مجلس النواب أن يتحمل مسؤولية صناعة جنة أرضية وحده، لكن المجلس جزء يفترض أن يكون مهماً من تصحيح العلاقة بين المواطن والسلطة، وجعلها أروح وأكثر تعاونية. أما إذا كان انتخاب مجلس جديد لا يشكل تحولاً في سياق يحتاج إلى تعديل، بالتعريف، فكأننا يا بدر لا رُحنا ولا جينا. وسيكون الحبر والألوان الكثيرة التي أريقت قد ذهبت بلا أي ثمن.
حسب ما فهمتُ من مطالعاتي المتواضعة فيما يقوله الآخرون عن الانتخابات النيابية الأردنية، فإن الناس في الخارج ليسوا سذجاً ويعرفون كل شيء. وفي الحقيقة، يعرف المحللون الأجانب عن مختلف التركيبات التي تحدد شكل وأداء مجلس النواب الأردني أكثر مما يعرف معظم المحليين. وبذلك، لا تنفع فكرة إقامة انتخابات لغرض تجميلي في خداع الآخرين وإيهامهم بما هو غير حقيقي. كما أنها لا تنفع أيضاً  في الوصول بأي بلد إلى الانسجام والتقدم إذا لم تكن ممارسة متنورة وحسنة النية من كافة الأطراف، إذا  كان ثمة اتفاق حقيقي على أهمية المشاركة الشعبية الحقيقية في صناعة مستقبل الجميع.
ما أزال أرى في الشارع أمامي مجموعة من الصور واليافطات، لكن هذه المظاهر أنهت وظيفتها منذ يوم أمس، وأصبحت شيئاً ينبغي التخلص منه. والآن، جاءت لحظة الحقيقة التي نتمنى جميعاً أن تكشف عن خير. ولعل كل المواثيق في بلدنا  الغالي تكون دائماً جديرة بثمن الحبر الذي خُطت به.

التعليق