عيسى الشعيبي

نجحت الانتخابات وفشل النظام الانتخابي

تم نشره في الجمعة 23 أيلول / سبتمبر 2016. 12:05 صباحاً

قد يكون من المبكر إصدار إحكام نهائية على نتائج الانتخابات، قبل أن يمر وقت كافٍ للإحاطة بكامل معطياتها، التي لا تزال ساخنة بعد، ومحل نقاش في العديد من الاوساط ذات العلاقة، غير أن المخرجات المتاحة عن هذه العملية الصادمة لأكثر من ألف مترشح رسب في الامتحان، ولغيرهم، تسمح بالقول إن الانتخابات النيابية نجحت وفق معايير النزاهة والشفافية ونسبة التصويت، إلا ان النظام الانتخابي، بما في ذلك قانون الانتخابات، فشل على رؤوس الاشهاد، وكان مخيباً لآمال أغلبية الناخبين، وربما للفائزين ايضاً في البرلمان الثامن عشر.
ولا يود أحد ممن ليس في نفسه غرض، أن يبخس جهود القائمين على هذه المنافسة الحضارية في هذا الزمن الصعب، او ان يغمض عينيه عن الايجابيات التي رافقت العملية الانتخابية منذ أن انطلقت قبل عدة اشهر، الا أن ذلك لا يمنع من تسجيل جملة من الملاحظات السلبية، واجراء ما يلزم من مقاربات نقدية تخص قانون الانتخاب، لا سيما نظام الدوائر، والقائمة النسبية المفتوحة، بعد أن اشبعنا الحملة الدعائية ما تستحقه من نقد لم يقدم ولم يؤخر قيد انملة في مجرى الحملة، التي اصبحت وراء ظهورنا الآن.
للوهلة الاولى، يبدو اننا ما نزال نراوح في فضاء قانون الصوت الواحد، رغم ان قانون الانتخابات الجديد أتى ليصوّب الاعوجاج في القانون السابق غير المأسوف عليه، وذلك بحسب ما افرزته انتخابات القائمة النسبية المفتوحة من مخرجات تكاد تحاكي ما درجت عليه نتائج العملية الانتخابية طوال نحو ربع قرن من الزمان، ويُخشى ان يشتاق البعض لذلك القانون، وان تعلو المطالبات في المستقبل داعية الى العودة اليه مجدداً، وذلك بعد ان هجته العامة والخاصة على حد سواء، وقيل فيه ما لم يقله الإمام مالك في الخمرة.
ومع أنه كانت هناك ملاحظات وجيهة على القانون الحالي منذ صدوره، ومآخذ على تقسيم الدوائر، وضآلة تمثيل النساء المقرر في الكوتا، خصوصاً في العاصمة عمان، فضلاً عن الزامية خوض الانتخابات من خلال قوائم، في وقت تفتقر فيه الحياة السياسية الى وجود احزاب فاعلة، الا ان ما بين ايدينا من نتائج اجمالية، وما يسود اجواء المحافظات من لغط وغضب ومشاحنات لا سابق لها، ابرزت اكثر من ذي قبل، مدى القصور، وعمق المآخذ والعيوب، التي انطوى عليها قانون انتخابي حقق عكس ما كان مرجواً منه.
ذلك أن فوز الاكثرية الكاثرة من القوائم التي تم تصنيعها كيفما اتفق، بمقعد واحد لا غير، برهن بما لا يقبل الشك، على ان التحالفات الانتخابية الاجبارية لم تحقق الغاية المستهدفة من وراء إقامتها، حتى لا نقول انها جاءت بحصيلة سلبية لا يمكن الدفاع عنها، فاقت كل التوقعات المسبقة، لجهة اخفاقها المروع في التقدم خطوة صغيرة الى الامام على طريق بناء حكومات حزبية في المستقبل، وافرازها لواقع برلماني ذي طابع فردي صارخ، قد يكون أشد تفتتاً مما كان عليه الحال المشكو منه في المجلس السابع عشر.
صحيح أن الانتخابات مرت بسلام، رغم ما شابها من مخالفات غير جوهرية وغير مؤثرة على النتيجة الكلية، وان الهيئة المستقلة للانتخابات أبلت أحسن البلاء فيما يتعلق بحسن ادارة العملية بكل احتراف وحرص واستقامة، لا سيما الحرص على اظهار اعلى قدر ممكن من النزاهة والشفافية، الا ان من الصحيح ايضاً انه تقع على كاهل هذه اللجنة مسؤولية معظم ما افرزته الانتخابات الطازجة من مظاهر وقصور ومآخذ لا يمكن تسويغها، بردها الى قانون الانتخابات وحده، الذي يقع في موضع القلب من هذه المسؤولية الثقيلة.
لقد أصبحت الانتخابات من وراء ظهرنا الآن، وغدت نتائجها الرسمية حقيقة من حقائق الحياة السياسية، لأربع سنوات بالحد الاقصى، ورغم ذلك فإن من المفيد، بل ومن الضروري ايضاً، ان تثار مثل هذه الملاحظات النقدية، وان تجري في الفضاء العام اوسع النقاشات على مختلف مراتب المسؤولية، وأن تخضع النتائج لعين فاحصة، لعل ذلك يفضي الى تلافي العيوب والقصور في الدورة الانتخابية اللاحقة، وتطوير القانون النافذ، على اسس تأخذ الدروس الصحيحة والعبر المفيدة من هذه التجربة المثيرة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صدقت (نادر)

    الجمعة 23 أيلول / سبتمبر 2016.
    لا فض فوك، فهل من مستمع.

    وازيد على كلامك اننا سنكون ساذجين ان ظننا ان هذا المجلس سيعمل على تصحيح قانون الانتخاب. فمن يأتي للمجلس على ظهر هذا القانون لن ينتج افضل منه
  • »ثبت أنه مهما تغير شكل نظام الانتخاب فسيؤدي دائماً لانتخاب من تود الأكثرية إيصالهم (تيسير خرما)

    الجمعة 23 أيلول / سبتمبر 2016.
    ثبت أنه مهما تغير شكل نظام الانتخابات العامة لمجلس النواب فسيؤدي دائماً لانتخاب الأكثرية من يمثلها من نواب إسلاميين وعشائريين ومحجبات بالإضافة لممثلي أقليات مقبولين من الأكثرية رضي من رضي وأبى من أبى فهذه هي الديمقراطية بأبهى صورها وهذا يثبت مرة تلو الأخرى أن على الأكثرية أن تشارك بكل انتخابات مهما كان شكلها فهذا هو أساس استقرار الدولة والأمن والمجتمع والاقتصاد، ومهما اجتهدت الهيئة المستقلة للانتخابات لمنع انتخاب ممثلي مال سياسي أو تمويل خارجي فقد يتسرب عدد قليل يمكن للأكثرية إحباط توجهاته.