مجتمعات “مشاعرية” تحلم بـ "الدولة المدنية"

تم نشره في السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016. 12:00 صباحاً

رغم أنني أعرف دولا كثيرة لديها انتخابات برلمانية، بما فيها دول صغيرة وفقيرة ومغمورة، لكنني سأتفق مع مسؤولين وإعلاميين أجمعوا بحماسة كبيرة أننا “عشنا مشهدا نادرا على مستوى العالم” كما وصفوه بالضبط !
لكنَّ لا أحد يستطيع أن يزعم أننا نعيش في مجتمع مدني، أو أننا قريبون من بلوغ ذلك. فكل ما يحدث وما يتعلق بأي مناسبة دستورية أو وطنية يحاط دائما بالخطاب العاطفي والمشاعري، ويجري تغليفه وتصديره محلياً على هذا النحو الذي يخاطب مشاعر وطنية واجتماعية ودينية.
حيث يجري مثلا ربط المشاركة في الاقتراع بمنسوب الانتماء للوطن، أو الإيمان بالدولة، دون الاهتمام بقراءة واعية وبحثية لأسباب الإحباط التي تسببت بعزوف الكثيرين عن ذلك.
ويجري أيضا الزجّ بالدين، والإفتاء، بمسائل لا علاقة لها بالدين، مثل الفتوى التي قيل لاحقا أنها مجرد اشاعة، عن أن الاقتراع واجب شرعي ! وحتى لو كانت اشاعة فهي تؤشر على طريقة تفكير وإدارة تعتمد على مخاطبة الغرائز الوطنية والدينية وتوظيفها في غير سياقها، ووسط مهرجان من الأغاني (الوطنية) والحديث بحنجرة متهدجة عن “العرس الديمقراطي” !
وبناء على ذلك يتم إشاعة جو من “الحصانة” لأية عملية تحدث تحت هذا الغطاء المشاعري الصاخب، ويصير الانتقاد لأي تفصيل أو تصرف مستهجنا وغير مقبول من أي طرف. فالامر مرتبط بالحب والكراهية، بالولاء والانتماء، فنحن عرضة دائماً للتذكير مع إصبع متوعدة “إننا وسط إقليم ملتهب”.. رغم أن دول الإقليم الملتهب نفسها أجرت انتخابات برلمانية “في عزّ دين التهابها” !!
الكل يطالب الإعلام بتسليط الضوء على الإيجابيات، رغم أن ما يسمى بـ “الإيجابيات” هو الوضع الطبيعي وأصل الأمور ولا يجب أن يشكر عليه أحد، فهذه مهمات ووظائف طبيعية في كل دول العالم، يمارسها موظفو دولة يتقاضون رواتب. والوضع العقلي السليم أن ما يلفت انتباه الإعلام هو الخطأ لا الصواب.
كما أن الانتخابات ليست هدية مجانية، أو منَّة من أحد، كما يجري تصويرها، فهي في دول العالم شيء عادي جداً، كالماء والهواء والتعليم المجاني، .. بل تخيل أنها تبدأ وتنتهي دون أي أغنية وطنية !!
ما أريد أن الاحظه في الانتخابات ومجلس النواب الجديد، ان الحكومة كانت معنية جدا بانجاز هذا “الاستحقاق الدستوري”، وهي معنية بالضرورة بزيادة نسب الإقبال والمشاركة لإنجاح هذه الخطوة وإتمامها على أفضل نحو أمام العالم. أما المواطن فكان معنيا بمسألة أخرى الحكومة ليست طرفا فيها وهي سويّة المرشحين ودرجة اقتناعه ببرامجهم أو شخصياتهم. وهو ما لا يهمّ الحكومة كثيرا فهي على إطلاع جيد على قدرات وسقوف كل المرشحين، وتكاد تكون مطمئنة، ولا تتوقع أية مفاجآت ! وما يهمها بالدرجة الأولى انجاز الأمر بهدوء وسلاسة ودون منغصات أمنية.
حسناً. وبما أن الأمر “عرس ديمقراطي” وبما أن الأغاني الوطنية قد منحته الحصانة (المعتادة) فلن نعلِّق على ما انتابه من سلبيات وما اعتوره من أخطاء.
لكن ذلك لا يمنع من التعليق على الخاصرة الضعيفة، وهي كالعادة المجتمع. بناخبيه ومرشحيه. فحين نتحدث عن المال السياسي فنحن نتحدث عن بائع ومشتر، عن عرض وطلب، وحين نتحدث عن خرافات يروجها مرشحون من باب الدين فنحن أيضاً نتحدث عن مرسلٍ ومجموع المستمعين، لذلك نجد انفسنا في مجتمع يصبح فيه استحقاق “الدولة المدنية” حلماً ووعداً وشعاراً يُرفع في الانتخابات، بل ويهاجَم من البعض، رغم أنه وضع طبيعي جداً، وعاديٌ وبسيط .. أن أصل الدولة، أية دولة، في كل العالم هي دولةٌ مدنية حتى لو كانت وسط “إقليم ملتهب” !

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كاتب فذ (سهام عوض الله)

    السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016.
    رغم اني لا اتفق معك في تحسسك الزائد من قصة الاغاني الوطنية بس كل شي حكيته عن الانتخابات مهم جدا ولازم يوصل للمسؤولين
  • »تسلم ايدك (رائدة)

    السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016.
    كلام رائع جداااااا ولا يجرؤ على قوله غيرك وغير الغد
  • »كلنا اقليم ملتهب (فتحي سرسك)

    السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016.
    شكرا لك ايها الكاتب الكبير فنحن فعلا كلنا الان في اقليم ملتهب ولكن لا احد يريد الشفاء
    يمكن ما في حياة برلمانية حقيقية في كل الوطن العربي
  • »تمنيات (محمد عوض الطعامنه)

    السبت 24 أيلول / سبتمبر 2016.
    نحن .... قد لا نختلف كثيراً عن غيرنا من دول العالم التي اعتمدت الإنتخابات وسيلة وازنة منتجة لشخوص من عامة الشعب يُجمع الناس على انهم من الخيرة والقدرة على تمثيلهم لمواجهة السلطات التنفيذيه . ولكن المشكلة تكمن من البداية ،عندما لا تتوفر عند هؤلاء الناخبون الثقافة والحيادية والشجاعة والمعرفة التي يمكن ان تستخدم لانتقاء مرشحيهم وذلك بقبول ورضى السلطات المشرفة على هذه الإنتخابات التي لا تتدخل او تشارك في الإختيار ، إلا ما نعرفه من شروط ليست كافية يجب ان تتوفر في المترشحين .
    لو ان الدول تضع مواصفات افضل واكثر للمترشح لهذا المنصب الحساس ، سيتكون بالتأكيد النتائج افضل بكثير ، مما نشهده في كل مرة يفوز فيها بعض من النواب يفتقرون الى الكثير من الخبرة والثقافة والعلم .
    عندما تناقش في هذا تجد من يرد ان هذا المترشح رغم امكاناته المتواضعة يمثل ارادة وقبول من انتخبوه ، والتي يجب ان تُحترم هذه الإرادة ! ........هذا صحيح ولكنه عندما ينال الفوز ويشارك في جلسات مجلس النواب يصبح ممثلاً ليس فقط لمن انتخبوه ولكنه يصبح نائب لكل الشعب ، فتصوروا لو ان مثل هذا النائب المتواضع في ثقافته وعلمه وحتى حظه من الكياسة ، كيف ستكون نوعية مشاركته !؟ وكما حصل وشاهدنا في برلماناتنا السابقه .
    الختام : ندعو الله ان نشهد ونشاهد هذه المرة في مجلس نوابنا العتيد ما يرضينا من نوابنا الأفاظل والله على كل شئ قدير .