حنان كامل الشيخ

دقيقة صمت!

تم نشره في الثلاثاء 27 أيلول / سبتمبر 2016. 12:00 صباحاً

لم يتسن للمغدور أن يلتقط أنفاسه الأخيرة بهدوء، كما يجب له أن يكون. فرغم أن آخر وجه رآه أمامه كان لشابة ملهوفة تحاول إسعافه، بكل ما تعلمته من مبادئ الإسعاف، وبكل ما أوتيت هي وشاب آخر من رغبة في إنقاذه، إنما كان “ناهض حتر”، يحتاج حقيقة دقيقة صمت واحدة فقط، ترتاح فيها روحه إلى الأبدية.
لكن كيف؟ كيف تصمت الأصوات العالية والطلقات المحمومة، والرغبات الثائرة والتعليقات المأزومة، والأدلاء التي عليها أن تدلى، والشهادات التي يجب أن تحكى، والتنبؤات والحكايات والمقارنات؟ كيف تصمت هذه الأصوات في حضرة الموت الرهيب، بينما حضور “التواصل الاجتماعي” أكثر رهبة في زمن لا يحترم حيا ولا ميتا ؟!
قيامة غير مسبوقة لضجيج من الآراء والتحليلات والمحاكمات العلنية، تبعها مزاحمة غير مفهومة للزج بالاعتبارات الدينية والطائفية والسياسية، خلفهما خبر مقتل الكاتب في لحظة كان مكتوبا لها أن تحدث في غفلة، إنما حتى تلك الغفلة استكثروها على المغدور!
دقيقة صمت واحدة، لم يحظ بها الميت بعد أن أردي قتيلا على درج المحكمة، بيد الإرهاب الظلامي. دقيقة صمت هي اعتبار إنساني عالمي على الأقل، تتوقف فيه مظاهر الحياة الصاخبة، احتراما وحدادا على الموتى، لم تتحقق في مسابقات الجنون التي رأيناها على مواقع التواصل. كل واحد يريد أن يستبق الآخرين في التحليل والتأثير. والبقية يمارسون أدوارهم التي أدت إلى مقتله عن قصد أو غير قصد. يمعنون في الحفر بأيديهم المتسخة داخل الجسد المسجى، ليقطفوا كبده ويلوكوه بأسنانهم، كمدا أو جوعا لا فرق. لا رحمة في قلوبهم بعد أن قالوا كلمتهم الأخيرة، ثم اكتشفوا أنها ليست الأخيرة تماما!
المصدومون لما آلت إليه دولة القانون تحت شمس النهار، والفرحون بتطبيق “القانون” تحت ذات الشمس، نسوا أن بقايا الدم على باب قصر العدل بقيت موجودة لأكثر من ساعة، تذكر الجميع لما وصل إليه حوار الكراهية والإقصاء. لذلك فليس غريبا أن يمارسوا هواياتهم التعبيرية مجددا، بعد انتشار الخبر بلحظات لم تعد إلى عشرة.
  فالسباق المحموم لفرض الرأي بالقوة وإن بدت افتراضية، لكنه يجب أن يحقق الهدف المنشود، في دولة الظل الخبيثة، قبل أن يحققه على أرض الواقع، ويتبرأ منه ببساطة كما الورقة المحترقة، التي لم يعد لها فائدة بعد أن أدت مهمتها بنجاح.
 يعود الاحتدام على أرض الأوهام الافتراضي في دقيقة الموت نفسها، ليستكمل مشوار الحياة بمزيد من المواد القابلة للاشتعال، تنتقل نيرانها من فتحات النوافذ بكل سهولة، فتحرق الأخضر واليابس معا في ثوان، كان ممكناً اتقاؤها، لو أنهم فقط التقطوا أنفاسهم و حماسهم وعنادهم و تزاحمهم، في دقيقة صمت!

التعليق