زليخة أبوريشة

الوطن والمواطنة والوطنية

تم نشره في الاثنين 26 أيلول / سبتمبر 2016. 11:04 مـساءً

مطالعاتُنا على ما يجري من تعليقات على الفيسبوك وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي، وما تمتلئ به أفواه كثيرٍ من الوعاظ والدعاة والخطباء ومقدمي البرامج ومعلمي المدارس ومعلماتها، تجعلنا نقف بصورةٍ قطعيّةٍ وحازمة من موضوع التكفير الذي يجري على الألسنة كشربة ماء. فها هو الاستبداد السياسيّ ينتقلُ إلى الشعب عبر تحصينٍ دينيٍّ لا يجرؤ  أحد على اقتحامه أو مصادرته، وإن كان لا يتوانى عن ركوب موجته. فقد اكتشفتِ الشعوبُ العربيةُ المقموعةُ والمقهورةُ الدينَ كآليةٍ للاستخفاف بالقانون والخروج عن طوعه، بل كآليةٍ مبهرةٍ لحيازة سيطرة شعبية وسلطةٍ لا تُناقَش. إنها اكتشفت مثلاً أنها تستطيعُ استخدام حجاب المرأة أو لباسها "الشرعيّ" كحجةٍ للهجوم على المؤسّسة المدنيّة لإظهار ما تسميه "محاربة" هذه المؤسَّسة للإسلام! وتستطيعُ إنشاء ما تشاء من دوائر ومؤسَّسات ومراكز وأحزاب وفضائيات وجمعيات وجامعات ومدارس ومستشفيات تمنحها صفةً إسلاميةً، وتمارسُ فيها ما تشاءُ من تعاليم تضربُ مفهوم الدولةِ في العمقِ، ناهيك عن النظام القائم نفسه، كما تضربُ مفاهيم الوطنِ والمواطنة والوطنية، وتؤسِّسُ لمفاهيم غيبية، تتصل بشكلٍ أساسيّ بتمكين الأفراد منذ هم أطفال، من الانفصال النفسي والجسدي (إن أمكن) عن المحيط "غير المؤمن" (هناك مدارس إسلامية في البيوت مغلقة لا يدخلها أحد من خارج الدائرة، يُسحَب الأطفال من المدارس النظامية ويُلحَقون بها)، وتمكِّنهم من التديُّن التفاخريّ، السطحيّ بطبيعة الحال، ومن اقتحام الفضاء العام وتلوينه بالنزعة الدينية التفاخريّة ونصوصها، كمثل الاهتمام بملء الشوارع وجدران المؤسسات الحكوميّة بصياغات إسلاميّة. وكذلك تمكين الأفراد والأطفال والأمهات المسؤولات عن التنشئة، من التمرُّن على حمل سيف الدين لمجابهة كل من يخالف؛ أولاً بالإرهاب الفكري واللفظي، وصولاً إلى الإرهاب الجسدي والتدميريّ. والتكفيرُ هو السيف الأول الذي يتمرّن الأفراد على حمله ورفعه في وجه كل من يعترضُ على سلوكٍ نابٍ من جماعة أيدولوجيّة، وكل من يقول بالديموقراطية والعَلمانية والتنوير والاجتهاد البشريّ في إدارة البشر أي الحكم، وفي وجه من لا تلتزمُ بحجابٍ أو يلتزمُ بلحيةٍ وصلاة، أو يقول رأياً يخالفُ الفقيه المعتمَد لدى هذه الجماعة أو تلك، أو من يتبعُ ديناً آخر.
لقد كثُرَ التكفيرُ كَثرةً مخيفةً، بحيثُ طال جميعَ المجتهدين والمجتهدات في تأويل النصوص، وجميع الناس الطبيعيين الذين يختلفون في الأفكار والمعتقدات والمبادئ. وهو أمرٌ أفضت إليه تربية الأطفال والكبار على الطاعة العمياء، وعلى أن الحياة تتلخّص بالحلال والحرام، وعلى تغييب العقل الناقد والمفكّر، مع ملاحظة انهيارٍ أخلاقيٍّ وعلميٍّ وإبداعيٍّ عام.
ولأن التكفير يعني ضمناً أو علناً هدر الدماء والدعوة إلى القتل... ولأن التكفير يقعُ من الجاهل المسكين بعد القائد الماكر المخَطِّط صاحب الأجندة... ولأن التكفير يُفضي بالضرورة إلى عنفٍ بالغٍ ويتهدَّدُ السلم المجتمعيّ... فقد آن الأوان لسحب هذا السلاح من يد العامة والخاصّة، وذلك بسنِّ تشريعٍ سريعٍ يغلّظُ العقوبة على كلِّ من يكفّرُ لأيِّ سببٍ كان، وخصوصاً لاختلاف الفكر والتوجُّه والعقيدة والميول.
ودعونا لا نفقد الأمل...!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »القراءة (احمد مصطفى)

    الثلاثاء 27 أيلول / سبتمبر 2016.
    سيدتي
    انت تقرأينني
  • »"الثقافة" (يوسف صافي)

    الثلاثاء 27 أيلول / سبتمبر 2016.
    تذكرني الكاتبة المحترمة بمشكلة "البوركيني" في فرنسا والضجّة التي احدثتها وبيان وزير الداخلية ردا على من طالبوا بعدم السماح بلبسه " اقتبس" ان العدد القليل ممن يرتدين البوركيني ووفق حساباته لم يصل الى حد تطبيق قانون الحماية للثقافة الفرنسية ؟؟ وانتي تعي المكونات التي تبنى عليها الثقافات سيدة زليخة ؟؟ المشكلة ليس بالحجاب وغيره بل التغول على الثقافة العربية والتي ول الأسف لم تجد في قوانين دولها مايحميها والأنكى ان حرية الإختيار للحجاب وحتى البوركيني اصبحت تمنع (بضم التاء) في بلاد الثقافة العربية والإسلامية؟؟؟احرام على ثقافتنا البوركيني و حلال للبكيني من كل جنس؟؟؟
  • »البيوت عامرة بالايمان (جهادغالب الزغول)

    الثلاثاء 27 أيلول / سبتمبر 2016.
    ان كانت المدارس قد اخترقت فاعلمي ان البيوت عامرة بالأيمان ولا يمكن اختراقها .
  • »الوطن والمواطنة والوطنية (رجا صيقلي)

    الاثنين 26 أيلول / سبتمبر 2016.
    اصبحت اتوق لقراءة مقالاتك استاذة زليخة. انت تضعي اصبعك على الجرح وتتبهي الدولة والمجتمع بأن الوقاية افضل من مائة علاج. الشد العكسي لتوجهاتك وتوجهات كل المثقفين والموزونين والمعتدلين في الاردن اخذا بالازدياد بسبب الاحتقان العسكري والشعبي والفكري في البلاد المحيطة بنا. لا اشك ان جيوب الفقر له علاقة مباشرة بشد التطرف والتزمت نحوه. فأهنئك على نظرتك الثاقبة والمبكرة لتنبيه الجهات الرسمية ان يستعدوا لمواجهة التطرف ليس بالسيف فقط لكن بالمناهج والتنوير وتربية اجيال المستقبل منذ نعومة اظافرهم بشكل خاص.
  • »سؤال للكاتبة (عبد الله)

    الاثنين 26 أيلول / سبتمبر 2016.
    انا مع اخر جملة فقط من مقالك... وهي ان التكفير لا يجوز ان يكون بايدي الافراد باي حال من الاحوال.. وهذا من صميم الدين والشرع، لكن سؤالي للكاتبة المحترمة... هل مشاعر الناس ومقدساتهم يجب ان تصان هي الاخرى ويعاقب المعتدي عليها ام ان حرية التفكير المزعوم والاستبداد العلماني يجب ان يطالها هي الاخرى سبا واستهزاء!!!!