علاء الدين أبو زينة

لا تشارك..!

تم نشره في الخميس 29 أيلول / سبتمبر 2016. 12:07 صباحاً

لم تعد تخفى أدوار ما تدعى "وسائل الإعلام الاجتماعية" المدمرة، بالطرق التي تُستخدم بها الآن. وليس العيب عادة في الابتكار الذي ينطوي على إمكانيات الخير والشر، لكنه لا يملك الإرادة والاختيار، وإنما العيب في صاحب العقل الذي يختار تشغيل أي من الإمكانيتين. وكما يبدو الآن، ليس ثمة الكثير من التجني في اتهام العقل البشري الجمعي بالإصابة بلوثة غريبة، واتجاهه الحثيث إلى الجنون المطلق في استخدام ما بين يديه لتدمير نفسه وغيره.
الكثيرون أصبحوا يرون الآن حجم الانفصال الذي تروجه ما دعيت أساساً "وسائل اتصال". فبالإضافة إلى نزوح العلاقات الإنسانية من الفضاء الواقعي إلى الفضاء الافتراضي وفقدانها الدفء، أصبح الناس ينزحون بتصوراتهم ومعرفتهم وتفاعلهم العام مع العالم الحقيقي إلى تلك المنافي في داخل الشاشات. وقد يختلق الذاهب إلى هناك علاقات حب، وصداقات وهمية، وفيضاً من عواطف الكينونات الموجودة هناك إذا نشر صورة لنفسه على سرير مستشفى أو أعلن عن يوم ميلاده. وسوف يقنع نفسه بالفرح بالكعكة الإلكترونية المتحركة والشموع بلا دفء، ويمتلئ بالامتنان على أساس أن العالم ما يزال فيه خير.
الأسوأ من الإقامة في هذه المنطقة الشبحية بين الحقيقة والوهم، هو قصفنا المتواصل بالأكاذيب والسخافات وكل ما هو مختلق لتعميق الانفصال وتغذية الكراهية. وقد أصبحنا نرتاد هذه الفضاءات، فنندهش بحجم التحريض الصفيق والدفع المستمر بالناس إلى الأطراف القصية والاستقطاب، على حساب منطقة الوسط التي جعلوها طاردة وشبه مهجورة، بطريقة متآمرة على الذات. ويكاد يصبح بالإمكان دائماً مشاهدة إصبع "وسائل التواصل" في مسارح جرائم القتل الجماعية والفردية، من الحروب الأهلية إلى اغتيال الشخصية بالكلمة والمسدس. وقد تنشر أفكارك فتصبح مكشوفاً وعرضة للاعتقال، أو تواجه فضيحة بسبب انتهاك خصوصيتك، أو تصبح هدفاً للشتائم الحاقدة والتجريح والتشهير.
من أمثلة سخف "التواصل" التي رأيتها مؤخراً، مشاركة أحدهم ما يُفترض أنه نص مقابلة أجرتها قناة تلفزيونية "إسرائيلية" غير محددة مع شخص "إسرائيلي" يفترض أنه ابتكر برنامجاً عالمياً شهيراً لاكتشاف المواهب، والذي له نسخة عربية معروفة. ويتبين من إجابات صاحب فكرة البرنامج (حسب مؤلف المقابلة) أنه ابتكره وأنفق عليه عمره والكثير من نقود الممولين لهدف واحد، هو أن يصل به أخيراً إلى "عقر دار الإسلام"، فيخرب به بيت العرب والمسلمين. ويقول مخترع البرنامج في المقابلة المختلقة: "نعم جلسنا سنين حتى تمكنا من إدراجه (برنامج المواهب) في الدول الغربية، ثم الدول العربية، وكنا نعلم أن فكرتنا ستتحول إلى أنجح خطة في مسيرة الدولة الإسرائيلية". وفي نهاية النص، يختم المؤلف والناشر بعبارة: "على فكرة، يقول الدكتور (اسم داعية مشهور) كل من ساهم بنشر هذا المقطع له دعوة في ظهر الغيب".
وإذن، برنامج لاكتشاف المواهب هو الذي يدمر الأمة العربية والإسلامية، وأنجح جهد صنعته "إسرائيل" في حياتها لتدمير العرب والمسلمين! ومع أن خطة البرنامج، حسب المؤلف، اقتضت أن يمر أولاً بالدول الغربية -كطعم لاصطيادنا نحن- فقد مر من هناك برداً وسلاماً ولم يخرب بيوت الأجانب. والملفت كثرة الذين يشاركون بالنشر، بالرغم من السخف الواضح للقصة وتعميتها على العلل الحقيقية الواضحة لخراب بيت المنطقة.
يستطيع أي منا أن يذكر عشرات القصص المماثلة التي تروج "أخباراً" واضحة الزيف، أو الإرساليات التي تفيض كراهية وتحريضاً على الآخر من كل طائفة وعرق ولون وفكر، والتي لا يخفى دورها التدميري ورائحة الدم الذي تدعو إلى سفكه. وقد أصبح حتى سردها، بهدف تبيان تهافتها، يعرض خطر أن يأخذها الأغبياء وسيئو النية منزوعةً من السياق ويعيدوا نشرها على أنها حقائق. وكان يمكن -نظرياً- عزل أصحاب هذه الإرساليات وشطبها وعدم مشاركتها، لكنها تجد -للأسف- كثيراً من المروجين لمختلف الدوافع والأسباب.
الذي يشارك مثل هذه الإرساليات بلا عقل ولا استنطاق هو أسوأ من مؤلفيها. ولسنا معنيين هنا في هذا المناخ المتفجر بالذهاب ببلدنا وأنفسنا إلى التهلكة بالاستماع إلى شياطين مواقع "التواصل" الواضحين. ولا ينبغي أن نؤلف، ولا أن نشارك.

التعليق