ماجد توبة

القانون ملاذنا بوجه الكراهية

تم نشره في الأربعاء 28 أيلول / سبتمبر 2016. 11:06 مـساءً

لا يجب المهادنة ولا التراخي في التصدي لخطاب الكراهية والتحريض الذي غزا فضاءاتنا الالكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية، ولم يعد مقبولا من أجهزة إنفاذ القانون والحكومة الصمت أكثر على انتشار هذا الخطاب الهدام، الذي لم يرعوِ حتى عن اللجوء الى التهديد بالقتل لشخصيات عامة وغيرهم.
الإجراءات التي أعلنتها الحكومة ومديرية الأمن العام أول من أمس، من قيامهما بإحالة محرضين ومخالفين للقانون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى القضاء، والتلويح بمثل ذلك مع كل المخالفين والمحرضين، أمر إيجابي وضروري، بعد أن وصل السيل الزبى، واستمرأ البعض هدر دم الناس تخوينا وتكفيرا وإخراجا من الملة، ناهيك عن حجم التضليل والكذب الذي ساد عند البعض، وفبركة التصريحات والمواقف والمشاهد المصورة لشخصيات عامة، بهدف تجييش وتحريض الرأي العام ضدهم.
أتحدث هنا أساسا عن الجدل والتجاذب الذي رافق قضية اغتيال الكاتب ناهض حتر، في سابقة خرج فيها الخلاف والتباين في الآراء عن نطاق القانون والحوار، إلى مساحات الجريمة البشعة والقتل وتهديد السلم المجتمعي. كما اتحدث هنا ايضا عن قضية المناهج، التي اختلط فيها الرأي والنقد المحترم بالكذب والافتراء وتصفية الحسابات السياسية، ومحاولات البعض ركوب موجة الشعبية الدينية والوطنية، بعيدا عن النقد الموضوعي والعلمي المنتج الذي يحافظ على السلم المجتمعي وسيادة القانون.
تصفح مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية، وحروب "داحس والغبراء" عبر عالمها الافتراضي، يكشف حجم الكراهية والتحريض غير المسؤول الذي وقع به العديدون، وبثوه عبر صفحاتهم وتعليقاتهم، ويشعل ألف ضوء أحمر في وجهنا كمجتمع ودولة، منبها الى إعادتنا إلى ما قبل عصر الدولة والقانون، وإلى عقلية الغاب.
لسنا مع قمع الناس ومصادرة حقهم في التعبير والاختلاف والانتقاد ورفض أي سياسة أو قرار أو رأي، كما أن ما حققته مواقع التواصل الاجتماعي وتطور الإعلام الالكتروني والفضائي من مساحات رحبة للحرية والتعبير، وعملها على تنظيم سياقات تحرك الرأي العام وقطاعاته المتنوعة، لا يمكن لأي دولة أو حكومة وقفه أو عادة التاريخ إلى الوراء، فهو عصر الثورة المعلوماتية والاتصالية بحق، وقدر البشرية في هذه المرحلة التاريخية من تقدمها، بل هي تحمل من الإيجابيات والخير للشعوب والمجتمعات الكثير الكثير مما لا يمكن لهذه المجتمعات التنازل عنه.
إلا ان ذلك لا يمنع ولا يعني أن هذه الحرية المصانة تتضمن ارتكاب جريمة، كجرائم التحريض والحض على القتل والإيذاء وإشاعة الكراهية والتشهير، فهذه جرائم قانونية في كل الدنيا، لا تهاون فيها، فكيف إنْ باتت شبه وباء لدى البعض، ممن يصرّ على القفز عن القانون والتحريض والكراهية؟!
كذلك، فان التصدي لهذه الجرائم والمخالفات القانونية عبر العالم الافتراضي ومواقع التواصل، يتطلب أيضا وبالتوازي تطبيق القانون على الأرض وفي العالم الواقعي، وبكل عدالة وحزم ومن دون تهاون تحت أي حسابات غير قانونية. ولا يجوز، في هذا السياق، القفز عن محاسبة وتطبيق القوانين بكل صرامة على بعض الفئات والمجموعات التي انتهكت القانون بفجاجة كما في قصة افتتاح المقر الانتخابي لأحد المرشحين قبل أسابيع، أو مقتل فتاة برصاص الاحتفال بفوز أحد النواب، وغيرها من مخالفات وجرائم يرصدها الجميع ويرصد مدى التزام مؤسسات الدولة بتطبيق القانون حيالها.
رغم ضرورة كل ذلك، نعلم أن تطبيق القانون والتشديد القانوني بحق المخالفين والمستهترين بأرواح الناس وأعراضهم وسمعتهم، على مواقع التواصل الاجتماعي، لن يحل المشكلة وحده، ولن يقضي على خطاب الكراهية وثقافة رفض المخالف واستباحته، الأمر الذي نحتاج معه، إلى دور حقيقي وفاعل للنخب الثقافية والسياسية والاعلامية والدينية لترشيد الخطاب العام، والتصدي للغلو والتطرف والكراهية المنتشرة، والتي لا تهدد شخصا أو فئة أو صاحب وجهة نظر واحدة، بل هي في النهاية تهدد الجميع.

التعليق