هل ينبغي حظر البوركيني؟

تم نشره في الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2016. 12:00 صباحاً

بيتر سينجر*

ملبورن- جاء والدَي إلى أستراليا كلاجئَين هرباً من الاضطهاد النازي بعد ضم هتلر للنمسا. وقد وصلا إلى بلاد حريصة على استيعاب المهاجرين في الثقافة البريطانية الايرلندية المهيمنة. وعندما تحدث والدَي باللغة الألمانية على متن القطار، قيل لهما: "نحن نتكلم الإنجليزية هنا!".
وقد اختفى هذا النوع من سياسة الاستيعاب للحكومة الأسترالية منذ فترة طويلة، وحل محله نموذج التعددية الثقافية الناجح الذي يشجع المهاجرين على الاحتفاظ بتقاليدهم ولغاتهم المتنوعة. ويشكل "البوركيني -"لباس السباحة التي يغطي الجسم من أعلى الرأس إلى القدمين، وليس الوجه- أحد جوانب هذه التعددية الثقافية. وقد ابتكرته امرأة مسلمة في مدينة سيدني لتمكين الفتيات المسلمات من الانضمام إلى أصدقاء المدرسة، وغيرهم من المعارف في أنشطة الشاطئ التي هي جزء مهم من فصول الصيف الأسترالية.
ويجد الأستراليون صعوبة في فهم لماذا تسعى بعض المدن الساحلية الفرنسية إلى حظرالبوركيني، وفرض أزياء السباحة التي تتوافق مع تقاليد البلد. ومن الملاحظ أن هذا السلوك سيدفع العائلات إلى عدم السماح لبناتها بالذهاب إلى الشاطئ. ومن شأن ذلك تعزيز الانقسامات العرقية والدينية، بدلاً من الحد منها.
يأتي حظر البوركيني في فرنسا (في الواقع ألغت المحاكم هذا الحظر) بعد القيود الفرنسية الأخرى على الملابس والحلي. فلا يمكن للطلاب ارتداء الرموز الدينية الواضحة في المدارس العامة، والتي عادة ما تُفَسر بحظر ارتداء الحجاب، وكذلك الطاقية اليهودية (القلنسوة)، والصلبان الكبيرة عند المسيحيين. ولا يمكن ارتداء حجاب الوجه بالكامل -البرقع أو النقاب- في الأماكن العامة من الناحية القانونية.
وغالبا ما يُنظر إلى فرنسا باعتبارها حالة خاصة، بسبب تاريخها الطويل من الفصل الصارم بين الكنيسة والدولة. ولكن، في الشهر الماضي، اقترح وزير الداخلية الألماني، توماس دي مايتسيره، حظر البرقع في الأماكن العامة مثل المكاتب الحكومية والمدارس والجامعات، وقاعات المحاكم، مما يرفع من إمكانية انتشار المحظورات إلى خارج فرنسا. وقال دي مايتسيره، إنها "قضية اندماج"، وصرحت أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، موافقة: "من وجهة نظري، ليس لامرأة محجبة أي فرصة للإدماج على الإطلاق".
ولذلك، فإن البندول يتأرجح نحو الاستيعاب، والسؤال الرئيسي هو إلى أي مدى يجب أن يصل البندول. هل يجب على الدولة التي تقبل المهاجرين السماح لهم بالاحتفاظ بكل ممارساتهم الثقافية والدينية، حتى تلك التي تتعارض مع القيم التي يعتبرها معظم الناس مركزية في أسلوب حياتهم؟
لا يمكن أن يكون الحق في الممارسة الثقافية أو الدينية مطلقاً. على الأقل، يصل هذا الحق الحد الأقصى عندما تضر مثل هذه الممارسات بالآخرين. وعلى سبيل المثال، يجب أن يتعلم الأطفال المعايير المتعلقة بالمعارف والمهارات التي يجب تدريسها، ولو كانت الدولة تسمح بالتعليم في المنزل. وفي الحالات القصوى، على سبيل المثال، لا أحد تقريباً يدعم السماح للمهاجرين بالتمسك بتقليد تشويه الأعضاء التناسلية للإناث الهادف إلى الحد من المتعة الجنسية، في بلدهم الجديد.
في فرنسا، قيل إن السماح بالبوركيني على الشواطئ يؤيد ضمنياً قمع النساء. فأن يُطلب من النساء تغطية رؤوسهن والذراعين، والساقين عندما لا يُطلب ذلك من الرجال، فهذا شكل من أشكال التمييز. ولكن، أين نحن من رسم الخط الفاصل بين ما هو مقبول عالمياً، أن تغطي المرأة صدرها (أيضاً ليس مطلوبا من الرجل)، ودرجة أكبر من تغطية جسد المرأة المطلوب من قبل العديد من الأديان، بما فيها الإسلام؟
من المشكوك فيه أيضاً أن حظر اللباس الديني في المدارس العامة يخدم الاندماج أفضل. على الأقل طالما يُسمح بوجود المدارس الدينية الخاصة، ومن المرجح أن يقرر المسلمون الملتزمون واليهود إرسال أطفالهم إلى المدارس الخاصة. وإذا كنا نريد حقاً مجتمعاً علمانياً متكاملاً، فعلى كل طفل دخول المدارس العامة. لكن هذا مستحيل في معظم المجتمعات الغربية.
إذا كان المجتمع أكثر من مجرد مجموعة منفصلة من الأفراد أو الجماعات التي تعيش داخل الحدود الإقليمية المشتركة، فإننا نريد درجة معقولة من التكامل والاندماج الذي يُمَكن الناس من الاختلاط والعمل معاً. ويجب علينا رفض النسبية الثقافية -على سبيل المثال، يظهر ختان الإناث أنه ليست كل الممارسات الثقافية مقبولة. ومن المبرر أن يقول المجتمع المُضيف للمهاجرين: "أهلاً وسهلا بكم، ونحن نشجعكم على صون وتعزيز جوانب كثيرة من ثقافتكم، لكن هناك بعض القيم الأساسية التي يجب أن تقبلوها".
والسؤال الصعب هو تحديد هذه القيم الأساسية. أن لا نضر بالآخرين هو الحد الأدنى، ولكن ينبغي أيضاً أن تكون المساواة العرقية والجنسية جزءا من الجوهر. وتصبحُ المساواة صعبة عندما تقبل المرأة نفسها بالقيود بسبب معتقداتها الدينية. ويمكن أن تكون ضحية لإيديولوجية قمعية، لكن الإسلام ليس الدين الوحيد الذي يقول إن دور المرأة في الحياة مختلف عن دور الرجل، على الأقل في بعض أشكاله.
يعتقد جون ستيوارت ميل، الليبرالي الكبير في القرن التاسع عشر، أن على المجتمع استخدام القانون الجنائي فقط لمنع الأذى عن الآخرين، لكنه لا يعتقد أن الدولة يجب أن تكون محايدة تجاه الثقافات المختلفة. على العكس من ذلك، فهو يعتقد أنه يجب على المجتمع أن يستخدم العديد من وسائل التعليم والإقناع المتاحة له، من أجل مواجهة المعتقدات الخاطئة وتشجيع الناس على العيش الكريم.
وسوف يضيف ميل أننا إذا أعطينا الوقت الكافي للمهاجرين ليستوعبوا تأثيرات التعليم والانفتاح على أساليب الحياة المختلفة، فإنهم سوف يتخذون خيارات جيدة. ونظراً لعدم الثقة في خيارات أخرى، ما يزال هذا الطريق مُستحَباً ويستحق المحاولة.

* أستاذ أخلاق الطب الحيوي بجامعة برينستون وأستاذ فخري بجامعة ملبورن. من بين مؤلفاته: "تحرير الحيوان"، "الأخلاق العملية"، و"الأخلاق فيما نأكله" (مع جيم ماسون)، وغيرها. تم تصنيفه في العام 2013، كثالث "أكثر مفكر معاصر تأثيراً" حسب مؤشر معهد غوتليب دوتويلر.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق