عيسى الشعيبي

حلب بين غروزني وسربرنيتشا

تم نشره في الجمعة 30 أيلول / سبتمبر 2016. 12:05 صباحاً

أعاد حصار حلب إلى الأذهان الغاصة بالآلام، تلك المآسي التي تعرضت لها مدينتان سبق لهما أن غرقتا في دماء سكانهما، واحدة في آسيا والأخرى في أوروبا. وبعث القصف الهمجي المركز على أحياء المدينة السورية الكبيرة، وما يرافقه من تجويع وتدمير وتقتيل، مخاوف شديدة من تكرار المشهدين اللذين وقعا في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، بما اشتملا عليه من صور مروعة هزت الوجدان الإنساني.
ومع أن الحرب التي دارت في غروزني بين العامين 1994-2000 انتهت بتدمير العاصمة الشيشانية، من دون أن تستدرج أي إدانة أو ملامة، أو تجلب أي مساءلة دولية عن الجرائم والانتهاكات الفظة التي ارتكبتها القوات الروسية (باعتبار أنها حرب داخل دولة ذات سيادة)، فإن الحرب التي دارت في البوسنة، وبلغت ذروتها في مذبحة سربرنيتشا العام 1995، انتهت بتدخل غربي أدى إلى تفكيك يوغسلافيا.
ولعل السؤال اليوم، وحلب تقع تحت قصف جوي روسي بالغ الوطأة، هو أي المصيرين المتربصين بمستقبل هذه المدينة التاريخية العريقة؟ أهو مصير غروزني، التي وصفتها الأمم المتحدة في حينه بأنها المدينة الأكثر دماراً على وجه الأرض، أم مصير سربرنيتشا التي أفضت مجزرتها الوحشية إلى حدوث نقطة تحول كبرى في مجرى الحرب البوسنية، وهي الحرب الأكثر فظاعة في أوروبا منذ القضاء على النازية؟
لعل من حسن حظ حلب، رغم كل ما تتعرض له من تجويع وتدمير وتقتيل، أن معركتها تجري في زمن انفجار ثورة الاتصالات الحديثة، أمام عدسات المراسلين الميدانيين وكاميرات الهواتف المحمولة، فيما لم تحظ معارك غروزني وسربرنيتشا بمثل هذه الميزة الفريدة، التي أدخلت يوميات حلب الدامية إلى البيوت والضمائر ومكاتب المسؤولين وقاعات الأمم المتحدة، وجعلت منها قضية تتربع على أعلى درجة في الأجندة الدولية.
بكلام آخر، فإن الإعلام الحديث، بتغطياته الفورية من قلب الأحداث الساخنة، لم يكن متاحاً في كل من حربي الشيشان والبوسنة، وبالتالي لم تؤد المجريات اليومية البعيدة عن العيون في المدينتين الضحيتين للغرور العسكري والكراهية العرقية، إلى إثارة الضمير الإنساني، أو إلى تشكيل ضغوط كافية لردع مقترفي تلك الجرائم في الوقت المناسب، بينما أدى هذا الإعلام الخارج عن نطاق التحكم والسيطرة، إلى هيمنة معركة حلب على شاشات البث التلفزيوني بلا منافس.
وإذا ما وضعنا جانباً الخصائص والميزات التي تجعل معركة حلب مختلفة عن المعركتين المذكورتين آنفاً، بما في ذلك أعداد الثوار وعدتهم، مراسهم ودافعيتهم، حاضنتهم وحلفاؤهم، فإن الإعلام الذي يرافق القصف لحظة بلحظة، وينقل المشاهد المروعة أولاً بأول، بات هو السلاح الأشد ضراوة في معركة من المقدر لها أن تكون طويلة ومريرة، ومتواصلة تحت أنظار من حرموا الثوار من أسلحة الدفاع عن النفس المناسبة.
لقد خاضت غروزني معاركها بشجاعة نادرة وتضحيات لا حد لها (نحو خمسة آلاف مقاتل ضد نحو مائة ألف مهاجم مدججين بكل صنوف الأسلحة الفتاكة)، إلا أنها كانت وحيدة، بلا حليف أو نصير، لم يكن لها قاعدة إمداد خلفية، ولم تنل رعاية سياسية أو منبراً إعلامياً، وذلك على العكس من حلب التي تقاتل بنحو عشرة آلاف من داخل أحيائها، وثلاثة أضعافهم في ريفها، وتحظى بالإسناد والتغطية السياسية والإعلامية الوافية.
ولم يكن لدى المحاصرين في المدينة البوسنية الذبيحة سلاح، ولا هامش للمناورة؛ حوصرت تحت أنظار قوات الأمم المتحدة، وأعمل الصرب سيوفهم في رقاب المدنيين العزل، بعد أن دفعوا بهم إلى المعسكرات، جوّعوهم وقتّلوهم بالجملة، فيما يتوفر للحلبيين ثلاثة أرباع مدينة محصنة ضد الاجتياح والأخذ بالقوة، ولديهم الأسلحة والذخائر والأنفاق المجهزة، وفي محيطهم إدلب، حيث تتمركز معظم قوات الثورة.
إزاء ذلك كله، يمكن الاستنتاج من دون إفراط بالتفاؤل، أن مضاعفات استخدام روسيا قوة غير متناظرة، وانجرافها الشديد، ومن دون تبصر، إلى تدمير حلب على رؤوس أصحابها، وإصرارها على كسر أنف العرب، وإراقة ماء وجه الغرب، أمر من شأنه أن يمهد الأرضية المواتية، أكثر من أي وقت مضى، لإجراء المراجعات وتغيير المقاربات المؤدية إلى حدوث نقطة تحول طال انتظارها، ونعني بها احتمال إمداد الثوار بأسلحة نوعية، قادرة على تعديل موازين القوة.

التعليق