فرصة أوباما لإحلال السلام في الشرق الأوسط

تم نشره في السبت 1 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:00 مـساءً

كارل بيلت*

ستوكهولم - يصادف العام المقبل قدوم الذكرى المئوية لوعد بلفور، الإعلان البريطاني الذي مهد الطريق لتأسيس دولة إسرائيل سنة 1948، وخلق الصراع المستمر إلى اليوم بين إسرائيل والفلسطينيين، وكذلك العالم العربي الكبير.
لن يكون هناك وقت غالباً لدى زعماء العالم الذين يتجمعون في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة هذا التحدي السياسي الدائم. ولكن، على الرغم من كل القضايا الكبرى الأخرى في الشرق الأوسط، يبدو أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يظل هو المشكلة المركزية التي ستحدد ما إذا كان مستقبل المنطقة سيتسم بالسلام والازدهار أم لا.
سوف يساعد حل هذه المشكلة أو بقاؤها في تحديد إرث السياسة الخارجية الأميركية للرئيس باراك أوباما. ومع اقتراب نهاية الفترة الثانية لحكمه، تجدر الإشارة إلى أنه سعى عندما تولى منصبه في العام 2009 إلى إحداث التقارب مع العالم الإسلامي على نطاق أوسع. وفي خطابه التاريخي بالقاهرة في حزيران (يونيو) من ذلك العام، وصف وضع الفلسطينيين بأنه "لا يطاق" ووعد بمواصلة الجهود من أجل "حل الدولتين حتى يستطيع الإسرائيليون والفلسطينيون العيش في سلام وأمن" -مع كل الصبر والتفاني الذي تقتضيه هذه المهمة.
لكن أوباما حقق تقدماً ضئيلاً جداً في هذه القضية منذ ذلك الحين، وإنما ليس لأنه لم يبذل المحاولة. فخلال فترة حكم أوباما الأولى، تضامن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الجمهوريين في الكونغرس الأميركي ضده لإفشال أي جهود سلام ذات مغزى. وخلال ولايته الثانية، قاد وزير خارجيته جون كيري، جهوداً بطولية خلال تسعة أشهر –والتي ضمت ما يقارب مائة اجتماع ثنائي مع القادة الإسرائيليين والفلسطينيين- لكن جهوده فشلت ببساطة.
واليوم، يعرب نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس عن استعدادهما للقاء في موسكو أو في موقع آخر لم يتم تحديده بعد. لكن أحداً لا يتوقع بجدية أن يحقق الطرفان أي تقدم حقيقي نحو حل الدولتين في هذه المرحلة.
أحد الأسباب هو أن نتنياهو ينتظر مغادرة أوباما منصبه. وتتلخص أولوياته الحالية في التوصل إلى اتفاق على المساعدات العسكرية الضخمة مع الولايات المتحدة في الشهور المقبلة، والقيام بحملة دبلوماسية جديدة لتبرير سياسة حكومته الحالية فيما يتعلق بالمستوطنات في الأراضي المحتلة، والتي أدانها المجتمع الدولي بصفتها غير قانونية. وعلاوة على ذلك، تذهب سلطة عباس نحو الانزلاق، وليست هناك مبايعة للزعيم الفلسطيني لمواصلة جهود السلام الحرجة في المناخ السياسي الحالي.
إذا لم يحرز أي تقدم في قضية وعد خصيصاً بحلها قبل ترك منصبه، فسيكون أوباما قد فشل فشلاً ذريعاً. ولكن، لحسن الحظ، ما يزال لديه الوقت. وقد اتخذ العديد من رؤساء الولايات المتحدة السابقين قرارات دبلوماسية جريئة خلال الأشهر الأخيرة لهم في البيت الأبيض. ففي أواخر العام 1988، اعترف رونالد ريغان بمنظمة التحرير الفلسطينية وسمح لوزارة الخارجية ببدء "حوار موضوعي" مع قادة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي أواخر العام 2000، نشر بيل كلينتون معالمه كإطار لسلام مستقبلي. وبدءا بمؤتمر أنابوليس في أواخر العام 2007، رعى جورج دبليو بوش سلسلة من المفاوضات بين عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت، إيهود اولمرت.
والآن جاء دور أوباما، حيث يجب عليه أن يدافع عن قرار لمجلس الأمن الدولي، والذي يضع معايير جديدة للتوصل إلى اتفاق سلام في المستقبل، ويحل محل قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي يعود تاريخه إلى حرب الأيام الستة في العام 1967 بين إسرائيل ومصر والأردن وسورية. ويتفق المجتمع الدولي على أن إنهاء الصراع هو في مصلحة الجميع -وقد ناضلت فرنسا منذ فترة طويلة لاستصدار قرار جديد، ولا تعارض روسيا هذه الخطوة. ويجب على أوباما التواصل مع روسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لمناقشة الكيفية التي ينبغي أن يصاغ بها القرار.
وسوف يحتاج إلى دعم دولي، لأن نتنياهو سيعترض بالتأكيد على أي معايير جديدة من شأنها تقويض رؤيته الواضحة لتأسيس إسرائيل الكبرى من البحر المتوسط إلى نهر الأردن. ولدى نتنياهو حلفاء في الولايات المتحدة سيتدخلون لصالحه. ولا يذكر المرشح الجمهوري للرئاسة دونالد ترامب حل الدولتين في برنامجه الانتخابي. كما أكدت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون للمنظمات الأميركية المؤيدة لإسرائيل أنها تعارض أي قرار جديد لمجلس الأمن، والذي يضع أساساً للتوصل إلى اتفاق في المستقبل.
ومع ذلك، فإن صدور القرار الجديد سيكون محتملاً في تشرين الثاني (نوفمبر) القادم، بعد الانتخابات الأميركية، وسوف يوفر على الرئيس المقبل التكاليف السياسية. ومن شأن إدارة كلينتون الاستفادة من وجود ورقة عمل، وسوف تستفيد إدارة ترامب من انخفاض التوقعات، في حين يجري ضبط النفس من إلحاق ضرر أكثر من المتوقع. وينبغي أن يكون القرار نفسه أكثر شمولاً من الجهود السابقة لمجلس الأمن. وفي الحقيقة، لا يذكر القرار 242 حتى الفلسطينيين أو قيام دولة فلسطينية في المستقبل. وهناك نموذج أفضل بكثير هو مبادرة السلام العربية التي أصدرتها الجامعة العربية في العام 2002، والتي تجسد منظوراً إقليمياً أوسع بكثير. وقال أوباما في وقت سابق إن من شأن هذه المبادرة أن تمنح إسرائيل "السلام مع العالم الإسلامي من إندونيسيا إلى المغرب".
وعلاوة على ذلك، يجب أن يؤكد القرار الجديد أن المجتمع الدولي لن يَقبل بأي تغييرات على حدود ما قبل سنة 1967، بما في ذلك ما يتعلق بالقدس.
باعتراف الجميع، لن يؤدي صدور مثل هذا القرار إلى السلام فوراً، أو حتى إلى محادثات سلام. بل إنه ربما يقسم الفلسطينيين والإسرائيليين على المدى القريب. ولكن، إذا كان العالم يريد تجنب مواجهة كارثية في المستقبل بين إسرائيل الكبرى القادمة وفلسطين المدعومة من تحالف كبير من الدول العربية، فإن الظروف لإجراء محادثات تقود إلى حل الدولتين يجب أن تُنشأ الآن. الآن، يقف أوباما في موقف مريح يُمَكنه من وضع إطار للتوصل إلى تسوية نهائية. وإذا فعل ذلك، فإنه سَيُثبت أن خطابه في القاهرة لم يكن عبثاً، وقد يبرر جائزة نوبل للسلام التي تلقاها في بداية رئاسته، عندما تعهد بأن تحقيق السلام بين إسرائيل وفلسطين سيكون جزءًا من إرثه.
*كان وزير خارجية السويد في الفترة من 2006 إلى 2014، ورئيساً للوزراء من 1991 إلى 1994، عندما فاوض على انضمام السويد إلى الاتحاد الأوروبي. وهو دبلوماسي دولي بارز، شغل منصب المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي ليوغوسلافيا السابقة، والممثل السامي للبوسنة والهرسك، والمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى البلقان، والرئيس المشارك لمؤتمر دايتون للسلام. وهو رئيس اللجنة العالمية لحوكمة الانترنت، وعضو مجلس الأجندة العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي في أوروبا.

*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق