نضال منصور

الرصاصات التي قتلت حتر أصابتنا جميعا

تم نشره في الأحد 2 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:05 صباحاً

الرصاصات التي أردت الزميل الكاتب ناهض حتر أمام قصر العدل موجهة لنا ولكل صاحب قلم وكلمة، هذه الرصاصات الغادرة أصابتنا جميعاً، وأدمتنا وتركت غصة في قلوبنا.
منذ عام 1980 وأنا أتابع المشهد السياسي في الأردن ولا أتذكر أنه وقعت جريمة اغتيال لإعلامي أو كاتب يعبر عن رأيه، وأصبح منذ هذا الخريف وفي أيلول على أجندة أيامنا أن إعلامياً اغتيل في وضح النهار وسقط مضرجا بدمائه.
كثيرون يسألون ماذا يريد هذا القاتل من جريمته، وماذا يريد هؤلاء الذين يقفون في خندقه ويصفقون له على فعلته الجبانة والخسيسة؟
إنهم باختصار يريدون أن يسكتوا كل رأي مخالف لهم، يريدون إرهابنا لنصمت ونتوارى، وما حدث في عمان باغتيال حتر وقع من قبل في العالم العربي مستهدفاً إعلاميين ومفكرين، فدم سمير قصير لم يجف بعد على أرصفة بيروت، وفرج فودة من قبله راح ضحية التكفيريين، وحنظلة يذكرنا بالجريمة البشعة التي أنهت حياة الفنان الخالد ناجي العلي وغيرهم الكثيرون.
القتلة يذهبون ويتوارون، يلعنهم الناس والتاريخ، وشهداء حرية التعبير ينيرون سراجاً من نور لدربنا وطريقنا.
لن نسكت، ولن نترك الطريق للظلاميين أعداء الحياة أن يعيثوا جهالة في وطننا، سنبقى نحفر في الجدار، وسنبقى ندافع عن حق الاختلاف والعدالة وسيادة القانون.
رحل غدراً ناهض حتر الذي كان خلافياً في حياته، عرفته عن قرب منذ عام 1990 وطوال 26 عاماً اختلفنا كثيراً، واتفقنا قليلاً، ولكن بقيناً أصدقاء نتواصل بين حين وآخر.
أوجعني مقتله وبشاعة الجريمة، وشعرت أننا مهددون، تذكرت بداية عودة الحياة الديمقراطية في الأردن العام 1989 ومحاولتنا إصدار مجلة "أوراق ماركسية" التي لم يكتب لها نصيب الاستمرار، وأتذكر الآن وكأنه يجلس معنا حين أطلقت جريدتي "الحدث" عام 1995 وكان أهم كتابها الإشكاليين، فذات يوم كتب أشهر مقالاته في ذلك الحين تحت عنوان "من هو الأردني؟" وقامت الدنيا ولم تقعد، كنت مختلفاً معه في تعريفه للهوية الوطنية الأردنية وكنت مؤمناً بحقه في أن يقول رأيه بحرية، وبقينا يجدف كل منا في اتجاه دون أن نترك للاختلاف فرصة أن ينهي الصداقة.
قتل ناهض ولم تسكت الأبواق التي تنعق بالخراب، وما تزال رغم رحيله تمجد القتلة وتنثر الكراهية وتحث على العنف، وكأنهم وكلاء الله في الأرض، يقررون أن شريعة الغاب التي يتبعونها تتقدم على سيادة القانون والقضاء، ولهذا نفذوا جريمتهم أمام قصر العدل، فقانونهم أسمى والولاء له وليس لدولة القانون.
قتل ناهض، ولكنه لن يرضى أبداً أن يستخدم دمه ذريعة لتمرير قوانين جديدة تستخدم للنيل من حرية التعبير، فالقوانين السارية (مطبوعات ونشر، جرائم إلكترونية، عقوبات، مكافحة الإرهاب) تكفي وتزيد للحد من خطاب الكراهية، متمسكين بأهمية أن تظل هناك "مسطرة" حقوقية تلتزم بالمعاهدات الدولية ولا تقبل أبداً أن يستخدم التشريع لإزهاق الحق.
قتلوا ناهض وواجبنا أن نسأل لماذا لم توفروا له الحماية، أليس الأصل أن تتكفل الدولة بحماية مواطنيها المهددين والذين يقعون تحت دائرة الخطر، لماذا استنفرتم كل قوتكم وهيبتكم لجلبه لقبضة العدالة وزجه بالسجن موقوفاً، ولم تفعلوا ما يكفي لحمايته والحفاظ على حياته؟!
يحق لأهله ولأسرته ولكل الإعلاميين أن يطالبوا بالتحقيق والمساءلة لكل من قصّر عن أداء واجبه، وكانت النتيجة جريمة قتل في وضح النهار أمام رمز العدالة في البلد!
جريمة اغتيال ناهض سابقة مؤلمة للأردنيين، وهي درس لهم بأن رصاص الغدر لا دين له ولا هوية له، وأن الضحية يمثلنا نحن الذين نريد دولة المواطنة، والعدالة، وسيادة القانون، والأمان، وندافع عن حق الآخرين قبل حقوقنا.

التعليق