محمد أبو رمان

من الذي أخطأ إذن؟!

تم نشره في الأربعاء 5 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:10 صباحاً

تُجرى الانتخابات النيابية بعد غدٍ في المغرب. وهو بالرغم من الأزمة الاقتصادية، يعتبر نموذجاً ناجحاً نسبياً على تجاوز منعطف "الربيع العربي"، والانتقال بصورة هادئة من "حالة الوضع القائم" إلى "المرحلة الجديدة".
وبرغم أنّ النظام الملكي في المغرب لم يقم بتغييرات جذرية كبرى؛ إذ قام بتعديلات دستورية، وسمح بتدوير الحكومات عبر الأغلبيات البرلمانية والائتلافات الحزبية، لكنّه أبقى المقاليد القوية للسلطة بيد "المخزن"، فإن هذا النظام تمكّن، عملياً، من نقل الكرة الملتهبة من حضنه إلى أحضان المعارضة، وتحديداً الإسلاميين؛ حزب العدالة والتنمية، الذين قادوا الحكومة مع شركائهم، وأصبحوا جزءاً من النظام السياسي الجديد، وساعدوا على امتصاص نتائج الأزمة الاقتصادية والمالية شعبياً ومجتمعياً.
حزب العدالة والتنمية، بدوره، حزب براغماتي واقعي إلى أبعد مدى، تحوّل بدرجة كبيرة إلى حزب برامجي، لديه فريق تكنوقراطي متميّز، وقسم تخطيط لا يعرف سوى لغة الأرقام والتحليل العلمي. وهذا الكلام ليس اعتباطياً، إذ سبق أن أجريتُ مع الصديق د. إبراهيم سيف (وزير الطاقة حالياً) دراسة مقارنة للبرامج الاقتصادية لأربعة أحزاب إسلامية (في بدايات "الربيع العربي")، هي: "العدالة والتنمية" في المغرب، "الحرية والعدالة" في مصر، "النهضة" في تونس، و"جبهة العمل الإسلامي" في الأردن، ووجدنا حينها أنّ "العدالة والتنمية" المغربي هو الأكثر تقدماً وتطوّراً في برنامجه الاقتصادي، إلى درجة الحزب السياسي المحترف تماماً.
ليس على هذا الصعيد فحسب؛ بل حتى في مجال الخطاب الفكري للحزب، هو متقدم تاريخياً على باقي الأحزاب الإسلامية. إذ كان سبّاقاً إلى فصل الدعَوي عن السياسي، وممعناً في المسار الواقعي، وتخلى مبكّراً عن الشعارات الدينية في برنامجه الانتخابي، وأعلن القبول بالدولة المدنية.
هذه الرؤى لم تكن وليدة اجتهاد عابر أو فذلكة سياسية، بل جاءت مرتبطة بتأصيل فقهي وعلمي عميق، وجهود كبيرة، وكان لأحد قياداته، د. سعدالدين العثماني، دورٌ كبير في هذا التأصيل والوصول إلى مفهوم الدولة المدنية والقبول بالديمقراطية والتعددية وقطع ما تبقى من طريق من الأيديولوجيا إلى البراغماتية.
ثمّة منافسة شديدة في الانتخابات المقبلة. وهناك أحزاب تعدّ أقرب إلى "المخزن"، تسعى إلى خطف الشعبية من "العدالة والتنمية"، مثل حزب الأصالة والمعاصرة، وحزب التقدم والاشتراكية، وحزب الاستقلال، وقد كانوا شركاء "العدالة والتنمية" في الحكومة السابقة التي قادها رئيس الوزراء الحالي من الحزب، عبدالإله بنكيران.
يأخذ البعض على الحزب براغماتيته الشديدة، وقبوله بتنازلات أيديولوجية وسياسية كبيرة، ما أضعف ثمار "الربيع العربي" في المغرب. لكن من يتأمل بالنتائج، سيجد أنّ هذه البراغماتية هي التي أنقذت الحزب والبلاد من مصائر خطيرة.
وبالرغم من اختلاف التجربتين المغربية والتونسية؛ بين نموذج التغيير الثوري والمثال الإصلاحي، فإنّ القاسم المشترك أنّهما سارا على نهج "الربيع العربي"، وتم إدماج الإسلام السياسي الانتخابي، وهناك شراكة وطنية في السلطة، ومواجهة للأزمة الاقتصادية. والأهم من هذا وذاك، الخروج من عنق الزجاجة، وتجاوز منعطف "الربيع العربي" إلى التحول الديمقراطي، ومواجهة الاستحقاقات الاقتصادية، بدلاً من الوقوع في فخّ الحروب الداخلية والأهلية والمجتمعية.
على الطرف المقابل، ماذا جنت الثورة المضادة ومحاولات ممانعة التغيير و"الربيع العربي" على الدول التي حاولت الحفاظ على "الوضع القائم"؟! ويلات وحروب داخلية وصراعات طائفية، وأزمات كبرى في حقوق الإنسان والحريات العامة والأوضاع الاقتصادية.
"الربيع العربي" وقيم الإصلاح هي الطريق الوحيدة التي تحقق الأمن المجتمعي والسلم الأهلي وتسير بالمجتمعات نحو المستقبل. والبديل هو ما ترونه في سورية ومصر واليمن وليبيا والدول الأخرى. ماذا لو وقعت تونس والمغرب في فخ الثورة المضادة، ألم تكونا ستنضمان إلى تلك القائمة العريضة؟!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »"سياسة الدفاع عن النفس" (يوسف صافي)

    الأربعاء 5 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
    بداية لابد من دراسة اسباب الربيع العربي(طفرة الشعوب) من أجل التغييروالإصلاح والتي هي من مهام الأحزاب السياسية العاملة في الساحة اولا ولو( الواجبة التي لاتفتح عمل الشيطان "الفذلكة السياسية") كان هناك احزاب قادرة لما حصل ذلك والا نكى سهولة استدراجها من قبل القوى المضادة لشهوة السلطة قبل بزوغ براعم "ثمر الربيع العربي" مما ساهم في حرف بوصلة الطفرة في المناطق التي انطلقت فيها وإخمادها قبل انطلاقها في الأخرى؟؟؟ والمحصلّة التخلي عن ثوابت ايديولجية الأحزاب واستبدالها بسياسة المصالح التي لايقرا من نتائجها سوى "الدفاع عن النفس" التغيير والإصلاح وفق العرف الديمقراطي يحكمه تعدد وإختلاف الرأي والراي الآخر ولوجا للهدف الجامع والفيصل الأقل كلفة وزمن "دون التفريط بالثوابت" لمن يتحمل المسؤلية وليست المزاوجة القصرية في ظل عدم تعافي المكون الحزبي ؟؟؟ الذي كان سببا في طفرة الشعوب وحرف بوصلتها عوضا ان تشكل مجلس سلامة مع باقي النخب المجتمعية للحفاظ على وجهة البوصلة وليس تصدّرها بسياسة راس روس "كل وأحد بدوا على راسه ريشه" حتى خرّت صريعة تدار ولاتدير من "باب الدفاع عن النفس" وحال الساحة ومجرياتها وتغول الغير بحرب مصالحهم القذرة التي تحرق المنطقة ؟؟حتى تم زركشة "عباءة التبعية " بخيوط التوسل التي اعادتنا الى عهود الإحتلال ؟؟؟؟؟
  • »شعرة معاوية وحكمته في سياسة الناس (الفناطسة)

    الأربعاء 5 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
    نتذكر سياسة الخليفة الداهية معاوية بن ابي سفيان مؤسس الدولة الاموية، وقوله المشهور"لو كان بيني وبين الناس شعرة لما انقطعت".
    اليوم يقول المؤرخون حول "التجربة المغربية الناجحة" إنها ببساطة ممارسة السياسة، فقد نسبت وكالة انباء عالمية إلى مؤرخ فرنسي قوله ما ترجمته إن هناك رغبة من المخزن المغربي لاظهار الساخطين على شرعية الدولة على أنهم عادوا لاحترام قواعد اللعبة وبالتالي يمكن مكافأتهم.
    وبحسب المؤرخ فان المسار كان طويلا لإعادة إدماج اولئك المتمردون في الحياة العامة، لأنهم شتموا الدولة، ثم شجعوا على العمليات الانتحارية لتتم محاكمتهم وسجنهم قبل أن يطلق سراحهم بعدما تابوا واعترفوا بالمخزن.
    ويعتبر المؤرخ الفرنسي انها السياسة الأكثر قدما في عرف المخزن المغربي والقائمة على إعادة إدماج المتمردين الساخطين بعد معاقبتهم.
    وفي اعتقادي ان الخليفة الاموي كان السباق في تاسيس فن ممارسة السياسة وادارة الدولة وقيادتها الى شاطيء الامان ثم ازدهارها ووصولها الى القمة ووراثتها والاقتداء بها من حضارات اسلامية مشابهة.