فشلت في اختبار القوة.. ليس هكذا تتصرف قوة عظمى

تم نشره في الجمعة 7 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:00 صباحاً
  • جنديان اميركيان اثناء تدريب قوات عراقية قرب العاصمة بغداد في بداية العام الحالي - (ا ف ب)

يديعوت أحرونوت

 نداف ايال

المصيبة الجغرافية السياسية الاكبر في عصرنا كانت الغزو الاميركي للعراق وما حصل بعده، وبالتأكيد بالنسبة للشرق الاوسط. فقد أدت الحرب في العراق الى حرب أهلية فظيعة لم تنتهي بعد، تفكيكا عمليا للدولة، تعزيزا لايران، صعودا اقليميا للقاعدة وولادة الوحش الذي يسمى داعش. ملايين اللاجئين العراقيين أغرقوا سورية فسرعوا الحرب الاهلية هناك.
هذه مجرد البداية. فقد فرضت حرب العراق على الادارة الاميركية محاولة الدفع الى الامام – كنوع من التعويض المشوه – بسياسة الحث الفاعل للتحول الديمقراطي في الشرق الاوسط. وعليه فقد فرضت إدارة بوش على رئيس الوزراء ارئيل شارون الانتخابات في السلطة الفلسطينية – انتخابات حرة بمشاركة حماس انتهت بانتصارها. كما تكبدت الادارة أيضا العناء فسوغت ثوريين مصريين كي يتمكن هؤلاء، عندما يحين الوقت، الى قيادة ثورة ديمقراطية في بلادهم. ومن كل الخطط الفاشلة لرجال بوش، هذه بالذات نجحت. وكان الربيع العربي الذي تحول في بعض الاماكن ليكون كابوسا. والنتائج نراها اليوم – في ليبيا، في سورية، في سيناء وفي قطاع غزة.
تلقى الرئيس اوباما هذا الوضع المعطى، وكان مصمما على الا تنزف أميركا مع الشرق الاوسط، او الشرق بشكل عام (افغانستان). وبالمفهوم الاميركي الانعزالي، فقد نجح؛ أكياس الجثث كفت عن العودة في الطائرات الكبيرة. وبالمفهوم الاميركي الواسع، والذي يتناول أيضا القوة في الواقع العالمي، تعتبر الولايات المتحدة عقيمة وشاحبة. فالحرب في سورية هي المثال الاكثر وحشية على ضعف البيت الابيض، الذي اقسم بانه اذا تعرض المدنيون للاعتداء بالسلاح الكيميائي فانه سيعمل. وقد عمل بالتأكيد؛ وقد على اتفاق مع بوتين، وهكذا جعله رب البيت في سورية.
فهل أي من القراء هنا كان يرغب في أن يبعث ابن عائلته الطيار للقصف في سورية كي يوقف حالات قتل الشعب هناك؟ هل أحد منا كان مستعدا لان يعرض نفسه أو أعزائه للخطر كي يمنع جرائم الحرب الاكثر فظاعة منذ قتل الشعب في رواندا؟ من شبه المؤكد ان الجواب هو لا. وبذات القدر فان الاميركيين غير متحمسين للتطوع لمنع الظلم الدولي وتعريض حياة جنودهم للخطر. ولكن يوجد فارق واحد: فقد اختارت اميركا، وهي تختار في كل يوم من جديد، أن تكون قوة عظمى. والقوى العظمى تدفع الاثمان، أو يفترض بها أن تدفع الاثمان.
لقد كان أطفال روما يتعلمون الفكرة الامبريالية التي تقول "أيها الروماني، الحكم في يدك والسلام تقيمه قوانينك في البلاد، ولا ترحم المستسلم واثأر ممن يثور عليك". كل روماني كان يعرف ما هو الثمن الذي يجب أن يدفع لقاء التفوق العالمي، ولكن ما هو الثمن الذي تبدي أميركا اوباما استعدادها لان تدفعه؟
واضح أن أميركا لا تنسحب من العالم في فترة حكمه. فمثلا، زادت تواجدها في مناطق الهادىء ولا سيما كوزن مضاد للصين. وزاد أوباما جدا "القوة الرقيقة" الاميركية، وأميركا خاصته تنال الشعبية المتسعة في العالم، ولا سيما بعد الاتفاقات مع كوبا وايران. ولكن ماذا عن استخدام القوة، ليس فقط لمنع ذبح الابرياء في حلب بل وأيضا من أجل تجسيد قوة واشنطن في المنطقة؟
روسيا بوتين هي دولة فاشلة، مع اقتصاد منهار وديمغرافيا كارثية. الولايات المتحدة تتمتع بزخم نمو هائل، من صورة لامعة وقيادة لعدة ثورات تكنولوجية. روسيا ليست قوة عظمى، ولكنها مستعدة لان تدفع بالثمن الاعلى – الدم – كي تبدو كذلك. أما الولايات المتحدة فهي بالتأكيد قوة عظمى، ولكن استعدادها لاستخدام القوة يبدو مترددا أكثر فأكثر.
تنتقم أميركا من الاستفزازات الروسية، وذلك ضمن أمور اخرى من خلال سعر النفط الدولي والعقوبات. ولكن في عالم يعود فيه الدكتاتوريون فان الخطوات طويلة المدى الحذرة والحكيمة لا تؤدي بالضرورة الى النتائج المرجوة. لقد كانت سورية اختبارا قاسيا لكل رئيس اميركي، ولكنها لدى أميركا تجسد عقب أخيل شخصي: كيف الانتصار على الزعران والزعرنة في واقع عالمي معقد. لقد اقترح ثيودور روزفيلت الحديث بشكل رقيق وحمل عصا كبيرة. لا شك أن اوباما يتحدث برقة، ولكن العالم غير مقتنع بما يكفي بحجم العصا.

التعليق