عيسى الشعيبي

الحاجة الموضوعية لحرب خلاصية

تم نشره في الجمعة 7 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:05 صباحاً

كن بشيراً ولا تكن نذيراً، وتجنب المبالغات والتهويل، خصوصاً إذا كانت النفوس واجمة والقلوب منقبضة. وأمسك لسانك إذا كان التطيّر سيد الموقف، والتوقعات المتشائمة تحقق نفسها بنفسها بصورة تلقائية، خصوصاً إزاء احتمالات وقوع حرب جديدة باتت اليوم أكثر رجحاناً من أي وقت مضى في هذه المنطقة، التي تبدو فيها فترات السلام المتقطعة مجرد هدنة بين حربين، حيث عادة ما تجيء الجولة الثانية أدهى وأمرّ من سابقتها.
ولكن ما العمل إذا كانت نذر حرب أخرى تتجمع في الأفق القريب، ويسمع قرع طبولها من في أذنه وقر؟ وماذا في وسع من تجري الحروب على ظهورهم أن يفعلوا شيئاً سوى التعوذ من شرور الموت والدمار، والدعاء بأن تكون ساحتها بعيدة عن الدار؟ وعليه، ولما كان ناقل الكفر ليس بكافر، فإن الحديث عن الحرب لا يقع حتماً في دائرة الإثم والكبائر.
إذ كثيراً ما تدل الوقائع التاريخية على أن الحرب -بكل شرورها وآثامها- كانت حاجة موضوعية لبني البشر، وأداة من أدوات الصراع الفطري من أجل البقاء، وشرطاً من شروط بناء الدول والامبراطوريات، حتى إنه يكاد لا يخلو تاريخ أمة عظيمة من صفحة حربية، حققت من خلال سيوف أبنائها ذاتها القومية، وبنت مجدها، وبثت رسالتها الدينية، الأمر الذي بدا فيه التاريخ كسلسلة من الحروب التي كانت تؤسس لما بعدها من ثراء ونفوذ وحلول وعلوم واكتشافات.
وأحسب أن مصاعب هذه المنطقة المسكونة بكل عوامل الانفجار، بلغت حداً تتعذر معه المراوحة هكذا إلى أجل غير معلوم، لاسيما وأن تعقيداتها تتفاقم مع مرور الوقت، وتستعصي تسوياتها على كل المعالجات بالصدمات النارية الخفيفة، الأمر الذي جعلها حالة غير قابلة للشفاء من دون تدخل جراحي من الخارج، أي إن العجز عن الخروج من نحو خمسة حروب داخلية، بات يلح في واقع الأمر على اللجوء الاضطراري إلى العلاج بالكيّ، أي بالصدمة النارية الحامية.
وفيما تبدو أزمات المنطقة العربية، اليوم، مستعصية على أي من الحلول العسكرية الموضعية، أو التسويات السياسية القابلة للحياة، تبدو في الأفق القريب دلائل متزايدة على أن حرباً كبرى لا سابق لها، قد تندلع في أي وقت، بين قوى عالمية أخذت هذه الأزمات تطال مصالحها، وتنال من هيبتها، وتدفع بها دفعاً إلى نقل الحرب من فضاء الافتراض النظري المجرد، إلى احتمال واقعي في متناول اليد، وفق ما يشي به قرع الطبول الصاخب من جانب اللاعبين الكبار.
ومع أن أحداً لن يأخذ، إذا جد الجد، رأي عواصم هذه المنطقة المستباحة، في أمر جلل كهذا، ولن يحسب أصحاب الأذرع الطويلة حساب ردود أفعال شعوب أثخنتها جراح الكر والفر على مدى السنين الراعفات، إلا أن عملاً عسكرياً من العيار الثقيل، أو كباشاً صاروخياً بين الأقوياء، قد يفضي إلى زلزال عنيف، تعيد توابعه الارتدادية تمهيد الأرضية الملائمة، وإنتاج متغيرات كاسحة، من شأنها أن تحمل المتحاربين، في نهاية المطاف، على الجلوس معاً لعقد صفقة الرزمة الواحدة.
وهكذا تبدو الحرب الكبيرة، التي باتت احتمالاتها الآن أقرب من أي وقت مضى، على ضوء تصعيد موسكو المحسوب بدقة، وتلويح واشنطن بعمل عسكري أحادي في ملعب ليس حكراً على الروس وحدهم، نقول تبدو هذه الحرب التي قد تقع جراء سوء فهم أو نتيجة خطأ في الحساب، تحولاً حاداً في مجرى الصراع المحتدم عبر الوكلاء، قد يفضي مخاضه العنيف إلى تداعيات لا حصر لها، لعل في مقدمتها وضع نقطة كبيرة في آخر سطر حروب صغيرة أتعبت البلاد وأنهكت العباد.
ورغم كل ما تنذر به حرب واسعة النطاق، شديدة المضاعفات، بالغة الآلام والمعاناة، من مخاطر وخلط أوراق، فإنها تعد بالمقابل بمخرج محتمل من دوامة حروب الصغار، وربما تحقيق نهاية سعيدة -في التحليل الأخير- لما تعاني منه هذه المنطقة الملتهبة بالجراح الغائرات. وهو أمر يستحق الرهان من جانب من لا حول لهم ولا قوة، ممن يأكلون العصي تارة، ويعدونها في أغلب الأوقات، ويرجون الخلاص ولو بحرب من صنع الكبار.

التعليق