علاء الدين أبو زينة

مشكلة التعليم .. محاولة للتلخيص

تم نشره في الأحد 9 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:06 صباحاً

ليس تطوير التعليم ترفاً، وإنما ضرورة وجودية للدول والأفراد. وعندما دعا المتنورون إلى مراجعة ملف التعليم في الأردن، فقد ارتكزوا إلى جملة من الأعراض الخطيرة. ومنها: رداءة مخرجات التعليم بحيث أصبح يخرج طلاباً شبه أميين وغير مؤهلين للمنافسة على الوظائف في سوق العمل الإقليمي؛ ورداءة الأداء الاقتصادي، والجزء المتعلق منه بالابتكار والإنتاج؛ ونوعية العقل الاجتماعي السائد، الذي أصبح متوتراً وفئوياً وخُرافياً، وعدوانياً ورافضاً للآخر وميالاً إلى المشاجرات –من بين أمور أخرى.
هذه الأعراض ومثيلاتها تعرض السّلم الشخصي والاجتماعي لخطر جسيم. فالدول غير المتعلمة تكون مهددة حتماً بالتخلف والانحطاط. والعقل السكوني والعدواني العاجز على التفاعل الإيجابي مع الاقتراحات والأفكار الجديدة والتفاوض مع الآخر، منذور للتكلس والتحول إلى تمثال ميت هو وصاحبه. كما أن الفئوية والخرافة والفشل في تحديد المكان في العالم الحقيقي، هي وصفة لتحول الناس إلى قتَلة أو انتحاريين، بالطريقة التي تجسدها المنطقة الآن بأقبح صورة ممكنة.
انطلاقاً من هذا الإدراك المستحَق، تشكّل توجه مشترك من الدولة وأصحاب الرأي من المواطنين، نحو ضرورة مراجعة ملف التعليم، وإنما فقط في سياق مراجعة أكثر شمولاً لنوعية الفِكر الذي يريد أن يتصف به الأردن -دولة ومواطنين- بما يكفل سلمهُ الأهلي والاجتماعي ويضعه على طريق الحياة والتقدم. وفيما يخص التعليم، لم تكن الفكرة حتماً تغيير أسطر أو كلمات أو فقرات في الكتب المدرسية. وأتصور أن دعاة التطوير فكروا بشيء أعمق وأكبر، هو إحداث ثورة في المناهج وتأهيل المعلمين، والتعليم الجامعي من حيث أسس القبول والمساقات والتوجهات، ورفع سوية التعليم الحكومي، بل وحتى جعل التعليم مجانياً للجميع في كل المراحل، كاستثمار وطني ربحه أكيد. والغاية من كل هذا وغيره، هي نبذ العقل السلبي البليد المعتاد على التلقين، إلى عقل نقدي تجريبي يأخذ ويعطي، ويمتلك أدوات ومهارات إخضاع كل المعرفة لتقدير صلاحية باستخدام المنطق والعِلم والمحاكمة المنطقية.
في الأساس، ينبغي أن يكون هذا مشروعاً وطنياً حاسماً، ينخرط فيه بحماس كل المواطنين والجهات الرسمية بهدف تغيير أكبر جزء ممكن من التركيبة التي لم تعد صالحة، بل وتنتج التخلف والدمار. ولا يمكن إنجاز مشروعات بهذا الحجم في يوم وليلة، وإنما هي شيء جيلي على الأقل، إذا لم تقتله قوى الشد العكسي قوية الحضور موضوعياً، كمنتج لخليط من النهج الرسمي السائد ونمط التعليم والإعلام السائدين كلها معاً، والتي يتم الإعراب الآن عن الرغبة في تغييرها.
بذلك، لا يمكن أن يكون تطوير العقل الاجتماعي والمعرفي الأردني مختزلاً في تغيير أسماء أو أسطر في بعض الكتب المدرسية. ومن السيئ أن يدور الحوار كله حول مثل هذه التغييرات في كتاب القواعد أو النصوص، وبطريقة عُصابية تُنذر بإجهاض المشروع كله. كما لا يمكن أن يكون أي من دعاة التغيير قد دعا إلى تجريد المناهج من متعلقات الحضارة العربية الإسلامية التي هي هوية المتدين والعلماني وصاحب كل دين وطائفة وعرق في إطار هذه الحضارة الجامعة. وإنما تعلق الاقتراح غالباً بالتركيز على الجانب الإيجابي والإبداعي والعمَلي الذي جعل الحضارة الإسلامية منتجة جداً في عالَم الناس، في علوم الجبر والهندسة والطب والعمارة والإنسانيات والفلسفة، بحيث وضعت بذلك نفسها وأهلها في العالَم الحقيقي.
مقتل مشروع تطوير العقل المعرفي والاجتماعي والسياسي في الأردن، سيكون في التبسيط أو سوء النية. فلا يجوز أن يُفهم أن غاية المخطط التربوي هي استهداف الدين، وستكون مصيبة إذا ساد تصور بأن مفهوم التطوير يتركز على ذلك. وفي الحقيقة، لم نسمع شيئاً عما حدث في مناهج الرياضيات والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والأركيولوجيا. ولم نسمع عن وضع مناهج في الفلسفة والمنطق والفكر الإنساني. ولم نعرف عن خطط لتأهيل المعلمين وتغيير العقلية التعليمية منتهية الصلاحية –وهو مشروع وحده. ولم نسمع عن كيفَ ستستعاد هيبة التعليم العام والجامعي، أو بحث مجانية التعليم، والكثير من المهم أكثر من التغييرات الهامشية التي وتّرت المشروع منذ البداية وكشفت عن نوع المقاومة الممكن.
الجزء الأهم في المعادلة الآن، هو طبيعة الفهم المؤسسي لتطوير العقل الأردني وتعديل النهج قبل المنهاج. وينبغي بدء المؤسسة بتطوير عقلها نفسه، والتحلي بحسن النية والإصرار على المضي أماماً. و"الحصى الصغيرة لا تسد الدروب".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اتساق الكلام (د. إسماعيل)

    الأحد 9 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
    مقال الكاتب المحترم يحتاج الى مزيد من الاتساق
    فالمقدمة من الحاجة للتطوير متفق عليها.
    ولكن نحتاج إلى دليل (لا يرتكز على الظن أو التخمين) أن ما حصل من تغيير يتجه في هذا الاتجاه!
    هل حذف آية أو تغير اسم او او.... هو تطوير.
    فالمقدمة الثانية التي استند إليها الكاتب المحترم :أن المناهج السابقة كانت تخرج جيلا عدوانيا بسبب مضمونها الديني!
    يمكن القول بشواهد كثيرة أن غياب الثقافة الدينية الجماعة بصورتها الحضارية ومنظومتها الأخلاقية هي سبب هذه الفوضى التي نتألم جميعا منها
  • »مجرد امنيات (علاء بن فلان ال علتان)

    الأحد 9 تشرين الأول / أكتوبر 2016.
    كلام جميل جدا و فيه دعوه لإعادة التركيز على الصوره الشامله للتعليم في الاردن و ليس فقط ملف المناهج . تطوير التعليم لا يبدا و لا يجب ان ينتهي بحذف سطر و اضافة سطر اخر و لكن كما تفضلت هو مشروع كامل و متكامل يلمس كل محركات التعليم من مدرسين و إدارة مدارس و ابنية مدارس حتى حماماتها و ملاعبها ان توفرت في الاساس...... مدارس بلا دروس رياضه او ملاعب او ادوات رياضيه و مدارس بلا دروس للفنون ومدارس بلا تدفئه ومدارس تكاد سقوفها و حيطانها ان تتساقط من العفن ومدارس لا يفيض بها شي سوا مجاري حماماتها و غيره من القصص التي تصطدم العقل و القلب. .... في عام ١٩٩٨ التحقت بمدرسه في الزرقاء كمدرس بديل لمدة اربعة شهور ، لم تصدمني الحالة الباليه التي آل اليها بناء المدرسه القديم المتعفن و لكن ما صدمني هو تراجع الاخلاق عند البعض.. تغيير الماهج لن يغير او يطور اي شي اذا قام نفس هؤلاء المعلمين بتدريسها. اتمنى ان يفهم الناس ان تغيير المناهج ليس للابتعاد عن الدين و ليس سببه حماية الناس و المجتمع من التطرف الديني فقط و لكن هو جزء صغير من فكره اكبر و اتمنى ان يفهم اهالي الطلاب ان التربيه و التعليم يبدآن في البيت قبل كل شيء و اتمنى ان يفهم اصحاب القرار ان تغيير المناهج و تحديثها موضوع كبير و ضخم و لكنه ايضا جزء صغير من صوره شامله للتربيه و التعليم في الاردن. اتمنى ان يفهم الجميع انه ثمار هذا التغيير لن تنبت خلال ايام او اشهر او سنوات محدوده فمثل هذه المشاريع تتطلب وقتا طويلا حتى يرى الناس كيف ان هذا التغيير هو لمصلحة الجميع . انا لست متفاجىء من مقاومة الكثيرين و صدهم لفكرة تغيير المناهج ، فلانسان يخاف من التغيير و يحاول مقاومته و هذا طبيعي جدا و لكن اتمنى ان نسير في مسار التغيير لانه ضروري لنا جميعا اليوم و غدا .