عيسى الشعيبي

نظافة السياسة وأخلاقيات الحرب

تم نشره في الخميس 13 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:03 مـساءً

تخلّقت فكرة هذا المقال لديّ قبل نحو أسبوع، أثناء متابعتي للمداخلات التي جرت في مجلس الأمن الدولي حول مأساة حلب. وتبلورت الفكرة أكثر فأكثر من خلال مراقبة جملة المواقف الدولية التالية على تفشيل روسيا لمشروع قرار يطالب بوقف القصف الجوي وإدخال مساعدات إنسانية لمئات آلاف المواطنين المحاصرين في شرق المدينة السورية، الجاري تدميرها بصورة منهجية تعيد إلى الأذهان تطبيقات "عقيدة غروزني" الوحشية، في عصر الصورة الرقمية هذه المرة.
وبعيداً عن التعريفات الأكاديمية لمفهومي السياسة والحرب، وما إذا كانت الثانية امتدادا للأولى بوسائل مختلفة، بدا سؤال الأخلاق في تلك اللحظة النازفة، متقدماً على طرح المسوّغات والتبريرات والذرائع المشرعنة لمثل هذا الفعل الحربي الغريزي المشترك بين الإنسان والنمل والشمبانزي وغيرهم من المخلوقات، لاسيما عندما استخدم المندوب الروسي، حق "النقض" مجردا من كل اعتبار أخلاقي، فبدا كمن يسبح بصعوبة ضد تيار نهر جارف.
هكذا اكتمل قوام هذا المقال على دفعتين؛ الأولى، عند إلقاء الكلمة المثيرة للإعجاب من قبل وزير الخارجية الفرنسي أمام مجلس الأمن. والثانية، حين رفض الرئيس فرانسوا أولاند استقبال فلاديمير بوتين في باريس، عاصمة فولتير وديغول، على خلفية "الفيتو" الروسي الخامس، كمظهر من مظاهر تفعيل القانون الأخلاقي في ميدان السياسة، في مشهد قل نظيره في عالم باتت تعلو فيه المصالح على المبادئ، وتسوده أحكام مفادها أن الدبلوماسية الدولية المعاصرة بلا أخلاق، وأن السياسة هي فعل نجاسة ليس إلا.
ولا مفر والحالة هذه من عقد مقارنة غير ظالمة بين السواد والبياض؛ بين موقفي بلدين دائمي العضوية في مجلس الأمن، أحدهما كان مفتقراً إلى ما يبعث على الإعجاب والتقدير، لما بدا عليه فيتالي تشوركن في مجلس الأمن من فظاظة شديدة، جوبهت بسيل عارم من التنديد والزجر؛ وثانيهما بلد لم يتخل عن صورته التليدة، كحصن حصين لقيم العدل والحرية والمساواة، المرفرفة في سمائه منذ الثورة الفرنسية العظيمة، فنال بذلك تقريظاً واحتراماً مستحقين بجدارة.
إذ بقدر ما بدا الموقف الروسي محتكماً إلى منطق القوة الغاشمة، بقدر ما كان الموقف الفرنسي شغوفاً بقوة المنطق الأخّاذة. وفيما طغت روح الغطرسة الحربية على خطاب موسكو، وراحت تحصد لقاء ذلك التنديد والعزلة، تكللت جباه الفرنسيين بتاج الغار والأخلاق والعظمة الإنسانية، حين مارست بلادهم بالقول والفعل معاً سياسة لا أثر فيها للاعتبارات المصلحية، ولا شبهة في ثناياها للحسابات القائمة على التوازنات المتغيرة بتغير حسبة الربح والخسارة المادية.
أمام محكمة التاريخ التي لا ترحم، قد تكون موسكو المطمئنة إلى خواء سياسة الإدارة الأميركية، وهي القادرة وحدها على كبح جماح التغوّل الروسي في الشرق الاوسط، في طور كسب معركة حلب بثمن أخلاقي باهظ الكلفة. غير أن فرنسا، بلد النور والفنون والثقافة، كسبت معركتها السياسية بالضربة الفنية القاضية، ودفعت فلاديمير بوتين إلى زاوية حرجة، إن لم نقل إنها أنزلته إلى الدرك الأسفل، حين امتنعت، في سابقة نادرة، عن استقباله في قصر الإليزيه بلا اعتذار أو مجاملة.
خلاصة القول؛ ليس صحيحاً في مطلق الأحوال أن الحروب تفتقر إلى الأخلاق دائماً، خصوصاً إذا كانت غاياتها نبيلة، وكانت أهدافها مشروعة، تقع ضد الظلم والقمع، وتجري ضد الاحتلال والانحطاط. كما أنه ليس صحيحا أيضاً، أن السياسة محض مصالح مادية لا أكثر ولا أقل، وأنها عملية بهلوانية مجردة من قيم الأخلاق الحميدة، لاسيما إذا كانت لدى المحاربين دوافع موضوعية، وكانت في حوزتهم موجبات تبرر دفع استحقاقاتها الثمينة، وتكبد تضحياتها البشرية والمادية.
ولعل الخطين المتوازيين اللذين سارت عليهما روسيا وفرنسا، كلا على حدة، داخل مجلس الأمن وخارجه، إزاء قضية واحدة، خير دليل على حقيقة أنه إذا جرت الحرب بلا مسوغات أخلاقية، وهي على الأغلب بلا مسوغات كافية، فإنها سترتد على مشعليها بخسارة معنوية فادحة. أما إذا كانت الأفعال السياسية مسنودة بالمبادئ الإنسانية الرفيعة، وهي نادرة على العموم، فإنها تعود في نهاية المطاف على أصحابها باحترام يعلي من شأنهم، ويرقى بهم إلى مصاف الزعامة العالمية.

التعليق