الإدارة الأميركية القادمة والشرق الأوسط

تم نشره في الأحد 16 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 09:05 صباحاً - آخر تعديل في الأحد 16 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 11:20 صباحاً
  • هيلاري كلينتون ودونالد ترامب

واشنطن- مات أسامة بن لادن سعيدًا حيث كرس الثلث الأخير من حياته لخلق عداء بين الغرب والإسلام، ووضع توترات بين السعودية والولايات المتحدة. وفي الفترة الماضية أبعدت السعودية ومصر وتركيا عن الولايات المتحدة. وكذلك إسرائيل في مفاجأة غير متوقعة، حيث إن أميركا تخلق أعداء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وما زال الملايين يدفعون ثمن أفعال بن لادن حيث يخلع الأشخاص أحذيتهم ويتم تجريدهم من كرامتهم عن طريق تفتيشهم في المطارات. ويعتبر الأميركان الآن أقل أمنًا وأقل حرية مما كانوا عليه في بداية هذا القرن ليصبح بن لادن سبب هذا التحول في حياته، وفي وفاته يستمر في تشكيل العالم.

هل يمكن للإدارة الجديدة تغيير ذلك؟.. وهل ستفعل؟

وقال تشاس فريمان، السفير الأميركي في السعودية السابق، ومساعد وزير الدفاع السابق، في مقاله إنه لا يعتقد أن الشعب الأميركي على وشك انتخاب رئيس يستطيع الحكم بفعالية إنهاء الخلل في واشنطن. أيًا كان الرئيس الذي سيتم اختياره فإنه سيتم اعتباره غير شرعي من قبل الداعمين للمرشح المنافس، حيث يرى فيرمان أنه كما فعل الجمهورين من محاولة تشويه سمعه الرئيس أوباما على مدار 8 سنوات فإن المعارضين سيحاولون الإطاحة بالرئيس القادم.

وقال فريمان، إنه بعد تحليل دقيق لتقلب رأي المرشح الجمهوري دونالد ترامب بشأن الشرق الأوسط وغيرها فإنه يرى أن ترامب يبدو كخمسة أشخاص يتشاركون نفس الجسد بآراء مختلفة، وفي الوقت الذي قدمت فيه كلينتون نفسها كإلهة الضربات الجوية وحرب الطائرات دون طيار كما يرى فريمان، ولكن الاثنين يمثلان نهج السياسات التقليدية للأمة التي يفترض أن يقودها وهو ما يجعلهم يشبهون بعضهم البعض للدرجة التي تجعل من الفعالية مناقشتهم معًا أفضل من مناقشة كل منهم على حدة.

ويرى فريمان أن المرشحين يريدان عزل إيران، ويحبان الحرب الاقتصادية أكثر من التبادل والاستثمار، ووافق الاثنان على حرب العراق قبل أن يرفضوه، ويفضلان التدخل في المسائل الخاصة في الشرق الأوسط اكثر من محاولة فهمها، ولا يرون أن الإرهاب من فعل غير الأسوياء نتيجة الإذلال والتهميش الاجتماعى، ويعتقدان أن التفجير هو أفضل طريقة للرد على ما يروه هجوما دينيا، ولا يحبون مصر ويتمنان أن تزول السعودية. وإذا انتخب أي منهما فإنهما سيعطون إسرائيل ما تحتاجه لصد نوبة الغضب السياسية. باختصار إن فريمان يعتقد أن الرئيس القادم سيركز على تغطية الفوضى التي تسبب فيها الرؤساء السابقين في الشرق الأوسط.

كل ذلك يعني أن القيادة القادمة أيا كان رئيسها سيكون من غير المرجح أن يقود الاستخبارات بذكاء أو النقاشات القومية بشأن ما يجب على أميركا فعله للخروج من عنق الزجاجة، حيث إن فريمان أكد أن أميركا دخلت في أكثر من مشكلة في الشرق الأوسط.

وأضاف أن الجزء الوحيد في الحكومة الذي يمكنه التخطيط ولديه المال والجرأة للتصرف بناء على قوته هو القوات المسلحة الأميركية، واعتبر أن أسهل طريق للرئيس القادم خفض السياسة العسكرية التي جعلت العلاقة بين أميركا والشرق الأوسط في وضع يرثى له، واقترح أن يعلق الأميركيون عدم ثقتهم في السياسة والسياسيين الأميركيين المعاصرين وأن يقوموا بتخيل عودة حكومة ذكية ومختصة في واشنطن.

وطرح فريمان عدة تساؤلات عن القيادة القادمة في الولايات المتحدة المتمثلة في رئاسة الجمهورية والكونغرس والمحكمة العليا من ضمن التساؤلات وهو ما المواقف التي سيكررها المسؤولون بشأن التعامل مع الوضع في الشرق الأوسط؟، وما الذي سيفعلوه بشأن هذه الأوضاع؟، وما التحديات الجديدة التي تواجههم؟.

ورصد فريمان الوضع، حيث قال إن هناك نحو 12 حربا متداخلة في سورية، وحرب السعودية مع إيران، والمتمردين المدعومين من الخارج مع حكومة الأسد، وإيران مع المتمردين، والإسلاميين مع العلمانيين، وقوات مدعومة من الخارج مع “داعش”، والشيعة مع السنة، والأكراد مع العرب، والأكراد مع الأكراد، والأتراك مع الأكراد، والولايات المتحدة مع حكومة الأسد، ومع “داعش”، ومع روسيا.

وتعتبر الولايات المتحدة منخرطة بشكل مباشر أو غير مباشر في نحو نصف هذه الحروب السورية، تنحاز مع وضد الأسد، مع وضد القوات المتمردة، أوقات تكون مع تركيا وأوقات مع الأكراد، ولكن دائما ضد روسيا. بالاضافة إلى إلقاء إسرائيل القنابل على سورية وقتما يريدون.

وعلى الرغم من دموع التماسيح وروايات الطرف الواحد من الأطراف التي تلعب ضد حكومة الأسد ودبلوماسية العلاقات العامة فإن التأثير الصافي من سياسات الولايات المتحدة لم تكن سوى دعم المذابح عن طريق إدخال المزيد من الاسلحة.

وتعد هذه سياسة متجانسة لإسرائيل، والتى تفضل الفوضى الحكومية المعادية في سورية، وهذا يحبط ويرعب الآخرين، ويبقى بشار الأسد في السلطة، ويشعر الخليج العربي بالخذلان، وتزداد الفتنة الطائفية، وتزداد التدخلات الأجنبية، والوضع التركي في تغير مستمر، وتحتفظ إيران بدور سياسي في بلاد الشام، وتركيا وأوروبا لديهم مشكلات اللاجئين، روسيا والولايات المتحدة أقرب للحرب، كل الأطراف ومنهم الولايات المتحدة تنتهك القوانين الدولية والشرائع الإنسانية، وأدى التدخل الخارجي غير القانوني في سورية وليبيا إلى تدمير مفهوم “مسؤولية الحماية”، كما يقول فريمان.

ويعيش الأميركان في حالة نكران بشأن الدور الكبير الذي لعبته أميركا في زعزعة استقرار العراق وليبيا واليمن وأفغانستان، ولا يقبلون المسؤولية عن نحو 450 ألف أو أكثر من الموتى السوريين أو نحو 11 مليون لاجئ. ويرفض السياسيون والشعب الأميركي قبول اللاجئين القادمين من الفوضي التي تستمر الدولة في دعمها، وهذا يعد جبنا، وفق ما قال فريمان، معتبر أن المسألة الأخلاقية تموت في واشنطن.

وقال فريمان، إن محاولة أميركا لطرد الحكومة السورية سببت نتائج عكسية، معتبرًا أن سورية أيضًا قدمت دليل آخر للقدرة المحدودة للتدخل العسكري الأميركي لفرض إرادة الحكومة الأميركية في الخارج، وقال إن التفجير ودعم المتمردين هي قرارات ذات نوايا جيدة ولكنها ليست بديلًا للاستراتيجية المحكمة، مضيفًا “نحن ومن اتبعنا لم نكسب شيئًا ولكننا تقريبا خسرنا كل شيء بسبب التدخل غير المدروس في بلاد الشام”.

ونوّه فريمان بأن من أسباب انضمام الولايات المتحدة لقطر والسعودية وتركيا والإمارات كان لمحاولة إسقاط نظام بشار الأسد لإظهار التضامن معهم، بدلًا من ذلك فإن أداء الولايات المتحدة المتهور أدى إلى تدمير كل هذه العلاقات، موضحًا أن الوضع المتأزم في سورية والكارثي في اعتداء إسرائيل على غزة ولبنان سببت في كسب الولايات المتحدة الكره في الخارج والاستحسان في الداخل. وفي الوقت الذي ينحسر فيه تأثير الولايات المتحدة فإن روسيا عادت للظهور مجددا كقوى عظمى دبلوماسية في الشرق الأوسط.

وتبدو التناقضات واضحة في العراق والذي تسبب الغزو الأميركي في 2003 في تحويلها إلى فوضى، وبتناقض واضح أيضًا فى سورية فإن أميركا تعمل مع السنة ضد إيران والنظام الشيعى، وفي العراق تعمل أميركا بالتوازى مع إيران لقمع السنيين، ومقاومة الإقصاء الشيعى من السنة في حكم البلاد. ومن المفارقات أنه على الرغم من دعم أميركا لها فإن الحكومة العراقية تشارك في مقر مخابرات مشترك مع الحرس الثوري الإيراني وحزب الله وروسيا، ويبدو أن السياسات الأميركية في سورية هي ذاتها حيث إنها تأخذ صف الجميع.

وأوضح أن الحروب الدائرة بالعراق أقل من الدائرة في سورية، حيث إنه تقريبا عددهم 5 أو 6 حروب، وفي توليفة مختلفة فإن الحكومة العراقية والولايات المتحدة وإيران يحاربون ضد “داعش”، والشيعة العرب ضد السنة العرب، و”داعش” تقتل العلمانيين والشيعة وبعض السنة العرب والأكراد، والأكراد “بدعم أميركا” ضد “داعش” وبعض الأوقات ضد الحكومة العراقية، والأكراد يقتلون الأتراك والعكس صحيح.

وأشار فريمان إلى أن المرشحين أحيانا يلمحان إلى أنهما يخططان لإنهاء الوضع الأميركي السيئ في سورية والعراق وأفغانستان، وأن القيادة القادمة تحتاج تغيير السياسيات الأميركية في العراق، ولكن مع تصاعد نغمة المحارب في الثقافة الأميركية فمن المرجح أن تسود قواعد اللعبة الأميركية. ولن تستمر أميركا على الطيران الآلي فقط ولكن ستنشر أسلحة أكثر، وستزداد نسبة الإهارب ضد أميركا عالميا.

واعترف فريمان بأن سياسة مكافحة الإرهاب الأميركية تحتاج لتغيير جذري، موضحا أن هذا الإرهاب لا يأتي فقط من المتعصبين دينيًا ولكن من شباب غير أسوياء يتوافقون مع القتلة مثل ديلان رووف، سواء كان هذا الإرهاب من الداخل أو أجنبي، كما أن المعتدين يرون أنهم أهينوا وأنهم ضحايا حيث إنهم يبحثون عن سبب يكون غطاء لجرائمهم.

تفجير تنظيم داعش وإبعاد المسلمين لا يعالج مشكلة الإهارب ضد أميركا في العالم، ولكنه يغذى جنون العظمة الذي يزداد، وإبعاد التنظيم من حكم جزء من العراق لا يعد إنهاء سبب الإرهاب الموجه ضد الغرب.

حان الوقت لمنهج جديد.. والمكان الذي يجب البدء به هو سورية

في سورية يحظى المقاتلون بكل الدعم الخارجي ولا يحتاجون للتأييد الشعبي من خلال وقف الأعمال الوحشية في حق المدنيين، ولذلك فإن قطع المساعدات العلنية والخفية للمقاتلين سيساعد في إعادة الحافز لديهم، السوريون والأتراك والسعوديون وكل دول الخليج العربي وأوروبا وإيران ولبنان وروسيا سيكونون أفضل في حالة إنهاء دعم الأسلحة الأميركية والخارجية للمقاتلين في سورية، فالسوريون بحاجة لحل نزاعاتهم مع أنفسهم.و تقليص الحروب بالتوكيل في سورية سيزيل عائقا كبيرا في طريق حل النزاعات، وسيعيد للعالم قيم عدم الإيذاء وكذلك سيعيد احترام القانون الدولي.

كما أن التركيز على إنهاء الحروب بالتوكيل في سورية سيهسل أيضا اكتشاف كيفية التعامل مع المخاطر المتزايدة بسبب المنافسة بين السعودية وإيران، واذا لم يحدث ذلك، فلن يكون الاستقرار ممكنا في المنطقة.

العمل مع السعودية لن يساعد فقط في تقليل النزاع العسكري في المنطقة ولكنه سيساعد في إعادة الطبيعة للعلاقات الأميركية السعودية، حيث إن سوء العلاقات بدا واضحًا في زيادة خوف الأميركان من الإسلاميين، وتجاوز الفيتو الرئاسي الخاص بقانون “جاستا”، لا يريد أحد البلدين أن يصبح البلد الآخر عدوا، حيث تحتاج الولايات المتحدة للسعودية ليس فقط من أجل النفط ولكن هناك أسبابا أخرى. ومنها قدرة الرياض على التأثير في العالم الإسلامي وحتى دحض الجهاد السلفي، ولنشر التسامح في المدارس الإسلامية بين المسلمين واتباع الديانات الأخرى.

وعلى الإدارة المقبلة محاولة إعادة العلاقات السعودية الأميركية لمحاولة اكتشاف كيفية تعزيز العلاقات التي تشاركها الدولتين مع إيران مثل إحلال الاستقرار في أفغانستان والعراق. ولكن ذلك لن يكون سهلا، حيث سيتطلب التصديق من السعودية والإمارات والدول الخليجية الأخرى وكذلك التعاون مع إيران. وسيتطلب أيضًا التفهم من إسرائيل والتي تبقى قوة لا يستهان بها في السياسات الداخلية.

وعلى الرغم من العقود الطويلة من المجهود من قبل الولايات المتحدة لتحقيق السلام بين إسرائيل وفلسطين وبين إسرائيل والعالم العربي فيما يسمى بعملية السلام، ولكن هذه المحاولات انتهت ولن تصلح مرة أخرى. وهذا يعني أنه تحت حكم الإدارة القادمة فإن الولايات المتحدة لن يكون لديها غطاء سياسي دولي فيما يخص دعمها المستمر للاستيطان الإسرائيلي أو حماية إسرائيل من العقوبة الدولية الخاصة بانتهاك حقوق الأسرى وغيرها.

وأصبحت العلاقة الأميركية الإسرائيلية غير متوازنة ومكلفة، حيث أصبحت إسرائيل إحدى أغنى الدول، حيث إنها تسيطر عسكريا على المنطقة، ولكن دافعي الضرائب الأميركان سيدفعون نحو 3.8 مليار دولار كل سنة لدعمها، هذا على الرغم من معارضة إسرائيل لمعظم سياسات أميركا في المنطقة وتتحدى الولايات المتحدة والرأي العام العالمي، ويبدو للجميع أنها تحاول أن تثبت نفسها.

ويسبب دعم الولايات المتحدة غير المشروط لإسرائيل أذى كبيرًا لإسرائيل حيث إنه يسمح لها بأخذ المخاطر المتعلقة بمستقبلها والتي كانت لن تأخذها لولا هذا الدعم، وتتسبب أيضًا في قلة مصداقية الولايات المتحدة عن طريق تسببها في رؤية العرب والمسلمين وآخرين لمحاولات أميركا دعم حقوق الإنسان والمرأة ومناهضة العنصرية منافقة، حيث إن قيم أميركا في الشرق الأوسط لم تعد موجودة وكل ما هو ظاهر هو الدعم لإسرائيل وتواطؤها مع السياسيات الإسرائيلية.

وفي محاولتها للخروج من هذا المأزق فإن إدارة أوباما بدأت في التحدث بصدق بشأن مدى إزعاج تصريحات وتصرفات إسرائيل بالنسبة للأميركيين، ولكن جاء هذا متأخرًا بعض الشيء وفقا لما قاله فريمان حيث إنه يرى أن “لا أحد سيصدق أن الولايات المتحدة ستحد من تعزيزها لإسرائيل”.

باختصار فإنه بسبب الفوضى الحالية والسياسات الماضية في الشرق الأوسط ليس من المتوقع من الإدارة الجديدة تغييرها، حيث إنها تخدم أصحاب المصالح الخاصة، ولكن النتيجة المحتملة من فعل المزيد هو المزيد من الأسوأ، وهذا يعد سيّئا للولايات المتحدة والشرق الأوسط .

وتعد المنطقة جاهزة لنهج جديد. فرص الحكم والتي ستضمن مكانة لإسرائيل على المدى الطويل، وتحمل حمل دخول آمن لإمدادات الطاقة من الخليج الفارسي، تقليل عدد الإرهاب ضد الغرب، إنهاء المذابح في سورية، إعادة الاستقرار للعراق، وفي النهاية فإنه يمكن تنافس السعودية وإيران، وأميركا وروسيا بعيدا عن الحرب بالوكالة إذا تحلى القادة بالشجاعة للنظر في هذه الاحتمالات.-(التقرير)

التعليق