ماجد توبة

لا حوار في هذا الفضاء

تم نشره في الاثنين 17 تشرين الأول / أكتوبر 2016. 12:06 صباحاً


تعتقد، وأنت تتابع بعض الجدالات البيزنطية، التي يمتلئ بها الفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي، حول بعض المواضيع والقضايا العميقة، من قبيل جدل الدولة المدنية والعلمانية ومفاهيم المواطنة والمساواة وسيادة القانون، أن البعض ممن يختبئ خلف كمبيوتره وجهاز هاتفه الذكي، قد أعلن الجهاد والحرب من غرفة نومه على كل من خالف، لا أقول رأيه بل فهمه وقناعته، حتى لو كانت مشوهة أو زائفة.
وكما في قضية المناهج وتعديلاتها الأخيرة، ومثلها قضية اغتيال الكاتب ناهض حتر، وغيرها من مفاصل محورية بالمشهد المحلي أشعلت الأجواء وحرب الاتهامات والتكفير والاستئصال للمخالفين، تجد أن القاسم المشترك عند الكثيرين، من أشباه النخب الثقافية والسياسية والمجتمعية، ومن مختلف التوجهات ممن يقودون، بوعي أو بغير وعي، توجهات الرأي العام، الذي باتت تشكله -للأسف- مواقع التواصل، ونشطاؤها الأكثر فراغا وبطالة وضحالة فكر، هو غياب أبسط شروط الحوار.
نعم، قبل الحديث والتنظير في الدولة المدنية، ودولة الخلافة والعلمانية ومفاهيم العقد الاجتماعي، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، تكتشف أن المشكلة الأساس، والمدخل لكل ما يغث البال، هو في غياب مفاهيم الحوار عند من يتنطحون لسوق الرأي العام خلف انطباعاتهم و"اعتقاداتهم" الضحلة في الغالب، لتجد أن الفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل قد انقلبت إلى ساحة حرب، وانزلق الخطاب، ولا أقول الحوار، فيها إلى مساحات الرفض للآخر والتكفير والتخوين من جانب، أو التجهيل والاستفزاز والتطرف باسم العلمانية والمدنية والعقلانية في مخاطبة "مجاميع الغوغاء"!
على غرار برنامج الاتجاه المعاكس الشهير، الذي راج لفترة طويلة مهربا ومتنفسا لبعض المكبوتات السياسية والفكرية والاجتماعية، والذي يمكن أن تسمع فيه كل شيء إلا الرأي والمعلومة والتحليل، نقول على غرار ذلك البرنامج بات مستوى الخطاب والتنابز على مواقع التواصل الاجتماعي، بين الكثير ممن يقدمون أنفسهم نشطاء وأصحاب موقف أو فكرة، لتنطلق بعدها موجة تسونامي عارمة من قبل سطحيين أو بسطاء أو جماعة "المش فارقة معهم"، تكفر هذا، وتخون ذاك، وتهدد هذا وذاك بالويل والثبور، وتحرف الجدل والنقاش حول أي فكرة أو قضية إلى مهاوٍ سحيقة، حتى لتخال نفسك قد دخلت ميدان معركة، تسمع فيها صليل السيوف وحمحمة الخيول، وترى فيها الأحمر القاني يملأ الساحَ والمدى!
في مواقع التواصل بات الباب مفتوحا لمن أراد للحديث والتنظير في كل القضايا والأمور والأحداث، حتى تلك التي لا يعرف فيها، كل ذلك ليس مشكلة إن بقي في باب حرية الرأي والتعبير، التي تحترم آراء الآخرين ولا تصادر حقهم بموقف ورأي وفهم مختلف. ما يحصل لدى العديدين من نشطاء "فيسبوك" وفضاء إلكتروني، هو مجرد غزوة يقتحم فيها موقع التواصل بتعليق أو جملة، أو حتى حملة يتعاون عليها في "البر" مع آخرين، للهجوم على الآخر، وتسطيح النقاش، وكيل الاتهامات والأحكام، وإشعال الحرائق، وتلويث أجواء الحوار، ثم كفى الله المؤمنين شر القتال!
أشفق أحيانا كثيرة على أصحاب مداخلات قيمة ورزينة في هذا الموضوع أو ذاك، خاصة في القضايا الجدلية التي باتت أشهر من نار على علم في فضائنا الإلكتروني، حيث يفاجأ صاحب المداخلة بهجوم كاسح وبتجييش حاد ضده، قد يصل إلى إخراجه من الملة، وبما لا يستثني أهله وأولاده من الإساءة والتحقير والشتائم. وقد بات ملاحظا أن الكثير من أصحاب الآراء الوازنين باتوا يتجنبون الدخول في نقاشات الفضاء الإلكتروني ومواقع التواصل، تجنبا للغرق في مستنقع الشتم والإساءة المجاني والمفتوح على مداه.
نعم، قبل أن نفتح حوارا حول الدولة المدنية وتطوير المناهج وتردي التعليم واتساع الجريمة والمشاكل الاجتماعية وأزمات السير والظواهر السلبية في الأفراح والاحتفالات وغيرها، علينا أن نفتح حوارا يجب أن لا ينتهي حول غياب شروط وأسس الحوار، فالمدخل هنا.. والله أعلم.

التعليق